جامع شيخ الاسلام ابن تيمية
شرح صفوة أصول الفقه
للشيخ سعد بن ناصر الشثري
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد
فإن حاجة الأمة إلى وجود العلماء الذين يستنبطون الأحكام الشرعية من الكتاب والسُّنَّة شديدة بل ضرورية، وذلك أن الأمّة تحتاج إلى أن تعرف أحكام الله فيما يَرِدُ عليها من النوازل، ولا تتمكن من ذلك إلا بوجود علماء مجتهدين ينزلون النصوص الشرعية على الوقائع، خصوصا عندما توجد الأمور المدلهمة والفتن التي تؤدي إلى سفك الدماء وانتهاك الأعراض واستحلال الأموال، فحينئذ نحتاج إلى العلماء الذين يُبيّنون حكم الله ويُعرِّفون الناس بشريعة رب العزّة والجلال، والعالم في مثل هذه الوقائع لا يتابع الناس ولا يسعى إلى إرضاء العامة وإلى موافقة أهوائهم وعواطفهم، وإنما يُبيّن حكم الله - وإن سخط الخلق - لأنه يسعى إلى إرضاء رب العزة والجلالة، ولهذا قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [1] وعلماء الشريعة يُوَضِّحون المعالم التي يهتدي بها الخلق إلى الله جلَّ وعلا فلذلك أُمِرَ الخلقُ بسؤالهم كما قال تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [2] وأهل العلم هم الذين يعيدون الخلق إلى الخالق فيجعلونهم يخافون من الله ويَحْذَرُوْن منه ويرجونه سبحانه ويستشعرون مراقبته لهم وهم ممن يتوكل عليه ويرجوه، ولذا قال الله جلَّ وعلا: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [3] وأضرب لك مثلا يتضح به الحال، عندما ينطلق الناس في تصرفاتهم من رغباتهم أو من عواطفهم تجعلهم ينظرون إلى الدنيا ويستعملون موازين مخالفة للموازين الشرعية، الشريعة قد جاءت بعفو؛ قد جاءت بالصفح؛ قد جاءت بالتجاوز، لأن العبد يراعي ما عند رب العزة والجلالة، فإذا ترك الناس العلم والعلماء قد يتعاملون مع المخالف بما يخالف مقتضى الشريعة وما أَمَرَ به ربُّ العزّة والجلالة لأنهم يرون أن العاصي يستحق العقوبة الشنيعة، وأمثل
(1) النساء: 83.
(2) النحل: 43.
(3) التوبة:122.