فهرس الكتاب
يخطب، فلا يريدون به الحيوان المفترس ويريدون به الرجل الشجاع، وهناك طائفة من أهل العلم أنكروا هذا التقسيم وقالوا: بأن الألفاظ لا يصح تقسيمها لحقيقة ومجاز؛ بل كل الكلام حقيقة، من أين نشأ الخلاف؟ نشأ الخلاف من كون من أثبت التقسيم نظر إلى الألفاظ المجردة ونظر إلى لفظ الأسد وحده، وبالتالي قال: هذا لفظ الأسد مرة يستخدم في الرجل الشجاع ومرة في الحيوان المفترس، فيكون أحدهما حقيقة والآخر مجازا، أما من نفى فإنه يقول: لا يصح تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز؛ لأنه لا ينبغي أن ننظر إلى اللفظ المجرد، بل لا بد أن ننظر إلى اللفظ وإلى ما اقترن به من القرائن التي تدل على معناه عند المتكلم به، فعندما قلت: رأيت أسدا يخطب؛ لا يمكن أن يريد بها الحيوان المفترس، لأن الحيوان المفترس لا يخطب وبالتالي يراد به الرجل الشجاع على جهة الحقيقة، فالأولون نظروا إلى لفظ الأسد وحده والآخرون نظروا إلى مجموع الجملة"أسدا يخطب"فهذا هو منشأ الخلاف في هذه المسألة، أيهما أقوى؟ الأقوى أن نسير على طريقة العرب في كلامها، والعرب لا تتكلم بالألفاظ المفردة وحدها؛ وإنما تتكلم بالجمل، واللفظ المفرد لا فائدة منه حتى يكون معه جملة ولذا يفسرون الكلام بأنه اللفظ المفيد وأما ما لم يُفِد هذا لا يسمونه كلاما، مما يدل على أنهم ينظرون إلى الجملة ولا ينظرون إلى الكلمة المفردة المجردة.
إذا تقرر هذا فإن الكلام العربي يُحمل على المعاني الحقيقية ومعانيه الظاهرة، ولا يصرف اللفظ عن معناه بحسب الدلالة اللغوية إلا لدليل، وذلك لأن اللغات لم تُوْضَع إلا من أجل حصول الفهم بين المتكلمين بهذه اللغة، ومن ثم فالأصل أن يراد بالألفاظ حقائقها ولا ينتقل عن هذه الحقائق إلا لدليل، ومن خاطبك باللفظ وأراد به معنى آخر غير معناه فإنك لا تقبل هذا منه، ولا ترضى بخطابه مرة أخرى، ومن قال لك: أنا أريد وسأعطيك ضربة على رأسك؛ جزعت من لفظه ثم قلت: أنا لا أريد بالضربة المؤلمة وإنما أريد بالضربة القبلة؛ فإنه لا يقبل منه هذا، لماذا؟ لأنه لا يصح أن تستخدم اللفظ في غير موضعه التي معناه الذي وضعته له العرب إما حال إفراده أو في حال كونه مع الجملة، فالقول بأن الألفاظ تُفسر بغير حقائقها إلى معان خفية هذا يتناقض مع علة وضع اللغة؛ السبب من جعل الألفاظ اللغوية، وهو الفهم والتخاطب بين الناس وانتقال المعاني بينهم، ومن هنا نعلم أن أولئك الذين يفسرون الألفاظ بغير حقائقها