الصفحة 30 من 94

يد بائعه بآفة مساوية، أي قضاء وقدرًا، فإنه يهلك من حساب مشتريه، وعليه تأدية الثمن أن لم يكن قد أداه، فيخسر هو المبيع والثمن معًا، ولو لم يحسن موعد تسليمه ولم يك مقصرا في تسلمه، كأنما هو في لعبة قمار لا في عقد مبادلة، ذلك أن القاعدة أن هلاك الشيء على مالكه، وقد انتقلت إليه ملكيته بالبيع.

$37 وتجاه عدم منطقية هذه النتيجة نشأ الرأي القانوني الذي يرى أن تبعة الهلاك في العقود الملزمة لجانبين تكون على عاتق المدين بالتسليم. أما الملزمة لجانب واحد (كالهبة) فتبعة الهلاك فيها على عاتق الدائن بالتسليم. ولكن هذا الحل القائم على أساس التمييز بين العقود الملزمة لجانبين أو لجانب واحد، إذا حل المشكلة بالنسبة إلى البيع، فقد ظهرت له مشكلة أخرى، فإن الإجارة عقد ملزم لجانبين، والمدين بإعادة المأجور إلى المؤجر بعد انقضاء الإجارة هو المستأجر فإذا هلك المأجور في يده قضاء وقدرا دون خطأ منه أو تقصير، فمقتضى هذا الرأي أن يتحمل المستأجر تبعة هلاكه. وهذا غير معقول أيضًا!!

وهكذا ظلت قاعدة أن هلاك الشيء على مالكه في تبعة الهلاك مستعصية على العلاج رغم كثرة الترقيعات فيها لأن المنطلق فيها غير سديد.

أما فقهاء الشريعة الإسلامية فلم يصادفوا هذه المشكلات في قاعدة تحمل التبعة، لأنهم انطلقوا فيها من أساس سليم صحيح قد أوضحته في بحث قديم لي منشور في مجلة إدارة قضايا الحكومة في مصر، ولا مجال للخوض فيه هنا.

والمقصود أن نظرية تحمل التبعة بحسب موضوعها الأصلي لا علاقة لها بنظرية الفعل الضار، لأن موضوعها ليس هو الإضرار ومسئوليته، بل هو كما أوضحته هلاك الشيء قضاء وقدرًا دون خطأ من أحد أو تقصير، وهذا عهدة التزامية مصدرها القانون، بينما الفعل الضار موضوعه - كما ينبئ به عنوانه هو الإضرار وما يلقيه على عاتق مباشرة أو المتسبب فيه من مسئولية بالضمان والتعويض.

$38 على أن الذين يكتبون تحت عنوان: (الضمان) أو (نظرية الضمان) في الفقه الإسلامي تدخل عندهم قضية تحمل تبعة الهلاك، لأنها ضمان يجب تعيين من يتحمله. أما عنوان الفعل الضار أو المسئولية التقصيرية فلا علاقة لتبعة الهلاك بهما، لأنها ليس فيها فعل أدى إلى الهلاك أو تقصير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت