وَبِئْسَ الْمَصِيرُ فَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ أَصْعَبُ مِنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ، وَهُوَ جِهَادُ خَوَاصِّ الْأُمَّةِ وَوَرَثَةِ الرُّسُلِ، وَالْقَائِمُونَ بِهِ أَفْرَادٌ فِي الْعَالَمِ، وَالْمُشَارِكُونَ فِيهِ وَالْمُعَاوِنُونَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانُوا هُمُ الْأَقَلِّينَ عَدَدًا فَهُمُ الْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا ))
وعن الْحُمَيْدِيُّ ــ شيخ البخاري ــ قَالَ [1] : (وَاللَّهِ لَأنْ أَغْزُوَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَرُدُّونَ حَدِيثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْزُوَ عِدَّتَهُمْ مِنَ الَأَتْرَاكِ)
*علة تقديم قتال الخوارج على المشركين:
وقد يتعجب المرء من كلام أهل العلم في هذا الأمر رغم أن جمهورهم لم يكفر الخوارج ومع ذلك جعلوا قتالهم أولى من قتال المشركين و يجيبنا شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا بأن شرهم على المسلمين أكثر و أذاهم أشد فلا بد من التمييز بين أحكام الدنيا والأخرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [2] :
(( وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُمْ «شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوهُ» فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو أُمَامَةَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ , أَيْ أَنَّهُمْ شَرٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ شَرًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ: لَا الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ فِي قَتْلِ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يُوَافِقُهُمْ، مُسْتَحِلِّينَ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ، مُكَفِّرِينَ لَهُمْ، وَكَانُوا مُتَدَيِّنِينَ بِذَلِكَ لِعَظْمِ جَهْلِهِمْ وَبِدْعَتِهِمُ الْمُضِلَّةِ ,وَمَعَ هَذَا فَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ لَمْ يُكَفِّرُوهُمْ، وَلَا جَعَلُوهُمْ مُرْتَدِّينَ، وَلَا اعْتَدَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ، بَلِ اتَّقَوُا اللَّهَ فِيهِمْ، وَسَارُوا فِيهِمُ السِّيرَةِ الْعَادِلَةِ. وَهَكَذَا سَائِرُ فِرَقِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ مِنَ الشِّيعَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ ; وَغَيْرِهِمْ فَمَنْ كَفَّرَ الثِّنْتَيْنِ وَالسَبْعِينَ فِرْقَةًكُلَّهُمْ فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ الثِّنْتَيْنِ وَالسَبْعِينَ فِرْقَةً لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ لَكِنْ حَسَّنَهُ غَيْرُهُ أَوْ
(1) ذم الكلام وأهله (ج 2 / ص 71) .
(2) منهاج السنة النبوية (ج 5 / ص 248) .