الصفحة 3 من 58

بالدولة وبقائها؛ لأن معنى سيما القوم، أي علامتهم التي بها يتميزون بها عن غيرهم، وإذا كان الأمر مشتركًا بين الناس لا يتميز به أحد عن غيرهم، فليس سيما ولا علامة، خصوصًا أن التحليق أمر يفعله العامة والخاصة: الفقراء والأغنياء والفقهاء وأهل الجهالة، فظهر أن المارقين الأولين كانوا يفعلونه لغرض المخالفة.

وقد فهم الشراح هذا فذكر الحافظ في"الفتح"أن (سيما الخوارج كانت التحليق، وكان السلف يوفرون شعورهم لا يحلقونها، وكانت طريقة الخوارج حلْق جميع رؤوسهم, فهذه لأنهم يختلفون بها من زمان لآخر) [1] .

وقال السندي: (قوله:(التحليق) ، أي: حلق الرأس، ولم يكن ذاك من عادة العرب).

الخامس: لم يذكر علماء الفِرَقِ والمصنفين أنَّ مِن أصولهم أو صفاتهم اللازمة لهم"مسألة التحليق"؛ فهي وصف لزمن ومكان وأشخاص معينين؛ فلا يلزم اطراده على مر العصور.

السادس: احتاج الصحابة لهذه العلامة كون هذه الفرقة أول من ابتلي بهم الصحابة رضي الله عنهم؛ فذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الوصف تسهيلًا لهم؛ بسبب الغموض الذي قد يحصل عندهم، كما حصل ذلك في قتال المرتدين، أما العصور التي تليهم فلا يحتاجون لمثل هذه العلامة لاشتهار أصولهم وتميز صفاتهم عن غيرهم.

فرع هام في حقيقة التميز عند الخوارج قديمًا وحديثًا

ولقد تأملت في هذه المسألة جيدًا، وفتشت في كلام العلماء فوجدت عجبًا، وتنبهت إلى مسألة قَلَّ مَن يتنبه لها، وبسببها يحتار البعض في الحكم على الخوارج، وهي أن الخوارج ونتيجة لهوس البدعة الذي أحدث فيهم حبًا للتميز والتفرد عن جماعة المسلمين؛ فهم دائمًا يمشون عكس التيار،

(1) فتح الباري (8/ 68) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت