ويتمحكون المخالفة، فالعبرة ليست في التحليق أو عدمه، وليست في شرط القرشية للخلافة أو عدمها، وليست في إثبات الرجم من عدمه، ولكن العبرة عند الخوارج هو السعي بكل وسيلة لمخالفة ما عليه أهل السنة قديمًا وحديثًا، فعندما كان الناس في العصور الأولى يوفرون شعورهم كان شعارهم التحليق، ولو كان الناس يحلقون لوفروا, وكان الناس كذلك مجتمعين على أن الخلافة في قريش، فقال أوائلهم أن القرشية ليست بشرط، مخالفة للجمهور، واليوم لأن الخلافة لم تحقق شروطها قالوا وأكدوا على القرشية تميزًا لهم عن الناس وتلاعبًا بمشاعر الأتباع؛ في أنهم يخالفون الخوارج الأوائل، وكذلك الرجم فأرادوا أن يقولوا أن الخوارج الأوائل لا يثبتون حد الرجم، ونحن نقيمه، وإنما العبرة ليست في الرجم، وإنما التميز، فلأن الناس كانوا في العصور الأولى يقيمون الرجم؛ فنفاه الخوارج تميزًا، ولأن الكثير من العلماء يرى تأخير تطبيق بعض الحدود، ومنها الرجم؛ منعًا للمفاسد الناتجة، سارعوا إلى تطبيق الرجم وبسرعة عجيبة، حتى أنهم رجموا في أشهر ما لم ترجمه الأمة الإسلامية عبر تاريخها كله, فتنبهوا أيها الناس لهذا الأمر، وتأملوا في واقع هذه الجماعة، تجد أن روح التميز والتفرد بكل شيء هو دأبهم وهمهم, ولقد تنبه العلماء لذلك، ولم يحصروا قضية الخوارج بالتحليق، بل كل ما هو من أنواع التميز، فالعبرة في التميز والتفرد وليس في صورة ذلك التميز. قال القرطبي: (قوله سيماهم التحليق أي جعلوا ذلك علامة لهم على رفضهم زينة الدنيا، وشعارا لِيُعرَفوا به، وهذا منهم جهل بما يزهد وما لا يزهد فيه، وابتداع منهم في دين الله شيئًا) [1] .
وجاء في عمدة القاري شرح صحيح البخاري ما يوضح هذه القضية بشكل أوضح حيث قال:
(1) شرح السيوطي لسنن النسائي: لـ عبدالرحمن ابن أبي بكر أبو الفضل السيوطي، تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة: الثانية، 1406 ه-1986 م، (7/ 121) .