"قوله: ما سيماهم بكسر المهملة مقصورًا وممدودًا العلامة. قوله: التحليق هو إزالة الشعر. قوله: أو التسبيد بالمهملة والباء الموحدة وهو استيصال الشعر. فإن قلت يلزم من وجود العلامة وجود ذي العلامة، فكل محلوق الرأس منهم لكنه خلاف الإجماع. قلت كان في عهد الصحابة لا يحلقون رؤوسهم إلا في النسك أو الحاجة، وأما هؤلاء فقد جعلوا الحلق شعارهم. [1] اهـ، ولذلك لم يعتبر العلماء حلق الرأس محرمًا، إلا إذا جاء على وجه التميز الذي هو مناط البدعة؛ وليس مجرد الحلق كما قال ابن القيم: (وأما الحلق البدْعي فهو: كحلق كثير من المطوعة والفقراء، يجعلونه شرطًا في الفقر، وزيًّا يتميزون به عن أهل الشعور من الجند والفقهاء والقضاة وغيرهم."
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الخوارج أنه قال: (( سيماهم التحليق ) ). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لصبيغ بن عسل وقد سأله عن مسائل فأمر بكشف رأسه وقال: لو رأيتك محلوقًا لأخذت الذي فيه عيناك حتى أن تكون من الخوارج) [2] .
بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مِنْ فقهه وعلمه يعتبر أن إطالة الشعر إذا كانت شعارًا للتميز يصبح بدعة، وهذا ما عليه جماعة الدولة وغيرهم ممن يتقصدون ويتعبدون بإطالة الشعر تمييزًا لهم عن غيرهم، بل إن الواحد منهم يتحرج بقص شعره أكثر مما يتحرج من قص لحيته, فقال رحمه الله: (فصل: وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحًا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحًا. كما قيل: كم من صِدِّيق في قباء وكم من زنديق في عباء؛ بل يُوجَدون في جميع أصناف أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون
(1) عمدة القاري شرح صحيح البخاري: أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابي الحنفي بدر الدين العيني، دار إحياء التراث العربي - بيروت. (25/ 201) .
(2) أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية، تحقيق: يوسف أحمد البكري - شاكر توفيق العاروري، رمادي للنشر - الدمام - دار ابن حزم- بيروت، الطبعة: الأولى، 1418 هـ-1997 م، (3/ 1293) .