الصفحة 48 من 58

الْعَاشِرُ: أَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ مُشَارَفَةَ الْأُمُورِ وَتَصَفُّحَ الْأَحْوَالِ؛ لِيَنْهَضَ سِيَاسَةِ الْأُمَّةِ وَحِرَاسَةِ الْمِلَّةِ، وَلَا يُعَوِّلُ عَلَى التَّفْوِيضِ تَشَاغُلًا بِلَذَّةٍ أَوْ عِبَادَةٍ، فَقَدْ يَخُونُ الْأَمِينُ وَيَغُشُّ النَّاصِحُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} .

فَلَمْ يَقْتَصِرِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى التَّفْوِيضِ دُونَ الْمُبَاشَرَةِ، وَلَا عَذَرَهُ فِي الِاتِّبَاعِ حَتَّى وَصَفَهُ بِالضَّلَالِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ بِحُكْمِ الدِّينِ، وَمَنْصِبِ الْخِلَافَةِ، فَهُوَ مِنْ حُقُوقِ السِّيَاسَةِ لِكُلِّ مُسْتَرْعٍ، قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: [كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ] ) [1] .

حال جماعة الدولة مع هذه المقاصد:

فأما بالنسبة لحفظ الدين؛ فقد شَوّهوا الدين، وغَلَوا فيه، ومَسَخُوا رسالة الإسلام والجهاد والشريعة، وأعطوا نموذجًا لكل الرذائل، وليت شعري كيف يقمعون البدعة وهم أحد رؤوسها؛ وناشروا بدعة الخوارج في الغلو في التكفير، ولم يحافظوا على أصول الدين المستقرة والله المستعان.

وأما منع الظلم والعسف؛ فمظالم الدولة فاقت كل الحدود، فقتلاهم بالآلاف، ومشردوهم بمئات الآلاف, فكم حرمة انتهكوها، وكم مالًا اغتصبوه, ولم نسمع أنهم ألَّفوا بين مُتخاصمين ومُتنازعين، بل رأيناهم سبب الخصومة والنزاع في كل مكان حَلّوا فيه.

فأما حماية البيضة؛ فكل يوم نسمع منطقة هربوا منها، وتركوا أهل السنة الذين عزلوهم من السلاح، وتركوا حريمهم نهبة للروافض والنصيرية، ويتنقلون من منطقة إلى منطقة تاركين رعاياهم خلفهم يقاسوا أبشع أنواع العذاب, وأما الانتشار في الأسفار فما عاد المرء يأمن على نفسه؛ وقد ألّبوا كل ملل الكفر على أمة الإسلام بتصرفاتهم الرعناء.

(1) الأحكام السلطانية: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي، دار الحديث - القاهرة، (ص 40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت