الصفحة 49 من 58

وأما إقامة الحدود؛ فهم لم يقيموها على وجهها، وإنما غروا الناس ببعض العقوبات التي يطبقونها، والتي يسلم منها أتباعهم إلا من تمرد عليهم، فيتخلصوا منه بحجة إقامة الحدود, ونتساءل أين قضاتكم؟ وأين محاضر تحقيقاتكم؟ وأين الأدلة والبراهين؟ فإننا لا نجد إلا أناسًا مصلوبة في أعناقهم تعلق لافتات بجرائمهم المزعومة، والتي تقتصر على محاربة الدولة والاختلاس, وكل من أرادوا قتله لَبّسوا عليه قضية، فالتهمة جائزة ولابد أن يقر المسكين وهو يرى من التعذيب ما يكون الموت عليه أهون, ومن ثم طبقوا الحدود بزعمهم على المجاهدين! ونتساءل لماذا العراق والولايات الأخرى لدولتكم لا نرى فيها مصلوبين؟ ولا نرى فيها تطبيقًا للحدود إلا في أرض الشام، ولماذا تعطيل الحدود في الولايات الأخرى!؟

وأما بالنسبة لتحصين الثغور وجهاد الأعداء؛ فقد سحبوا السلاح من أهل الثغور، وطعنوا في ظهور المرابطين، فقتلوا من قَتلوا، ولم يقبلوا برباط أحد وجهاده حتى يبايع، ولا بد أن نعلم أن ما يُشاع من جهاد ورباط للدولة في بعض المناطق هو في الحقيقة لأبناء المناطق، والكتائب السابقة، الذين أُجْبِرُوا على البيعة حفاظًا على أهليهم وأعراضهم ومناطقهم.

وأما بالنسبة لجباية الفيء وتوزيع العطايا؛ فإن الدولة سلبتِ الناس أموالهم وبيوتهم وسرقت أموال الأمة، واستأثرت بها على قياداتها وشهواتها، تشتري به الذمم، وقد أفرغوا الصوامع والمعامل وباعوها والناس الآن تتضور جوعًا [1] , ومن ثم فرضوا من الضرائب والمكوس والعقوبات المالية ما يثقل كاهل الناس.

وأما تقليد الأمناء والنصحاء؛ فلم تترك الدولة مُجرمًا ولا حشاشًا ولا متهمًا، ومجرمًا من أصحاب السوابق والردة والعمالة إلا ونصبوه، ولا أريد أن ألوث البحث بذكر أسمائهم وهي معروفة مشهورة، وكل يوم تُعاقب الدولة - نفسها - أحد رجالاتها بتهمة الردة والعمالة والاختلاس.

(1) انظر ملحق الصور رقم 13 الذي فيه: (تجويع المسلمين وترفيه عناصرهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت