الصفحة 57 من 58

إليه فقولا له؛ فَلْيُقِدنا مِنَ قتلة عثمان، ثم أنا أوّل مَنْ بايعه مِنْ أهل الشام. فذهبا إلى عليٍّ فقالا له ذلك، فقال: هؤلاء الذين تريان، فخرج خلق كثير فقالوا: كُلُّنا قتلة عثمان، فمن شاء فليرمنا، قال: فرجع أبو الدرداء وأبو أمامة فلم يشهدا لهم حربًا) [1] .

كما امتنع الخوارج عن تسليم قتلة (عبد الله بن خباب بن الأرت وكان موصوفًا بالخير، قتله الخوارج كما قدّمنا بالنهروان في هذه السنة، فلما جاء علي قال لهم: أعطونا قتلته ثم أنتم آمنون، فقالوا: كُلُّنا قَتَلَهُ فقاتلهم) [2] , وقد وضحت ذلك في مسألة التحكيم وموقف الخوارج منها, ومن المعلوم أن فاقد الشيء لا يعطيه, ولقد اشتهر عن الخوارج التملص، وإعطاء جنودهم الحصانة والحماية من العقوبة، ومما ورد عن نجدة الحروري أنه (نقم عليه أصحابه بأنه عطل حد الخمر، وكان سبب ذلك أن رجلًا من عسكره كان يشرب الخمر؛ فبلغوا أمره إلى نجدة، فقال لهم:"إنه رجل شديد النكاية على العدو، وقد استنصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمشركين") [3] .

وقد ورد: (أنه بعث ابنه مع جيش إلى أهل القطيف، فقتلوا رجالهم، وسبوا نساءهم، وقوموها على أنفسهم وقالوا: إن صارت قيمتهن في حصصنا فذلك، وإلا رددنا الفضل؛ ونكحوهن قبل القسمة، وأكلوا من الغنيمة قبل القسمة. فلما رجعوا إلى نجدة وأخبروه بذلك قال: لم يسعكم ما فعلتم؟ قالوا: لم نعلم أن ذلك لا يسعنا؛ فعذرهم بجهالتهم [4] . و"قال: وأصحاب الحدود من موافقيه لعل الله تعالى يعفو عنهم") [5] . وها هو التاريخ يعيد نفسه، وها هم خوارج العصر يمتنعون عن الشرع، ويتملصون من تطبيق الحدود، والتزام الحقوق، وخاصة في الدماء، حتى

(1) البداية والنهاية لإسماعيل القرشي (10/ 508) .

(2) البداية والنهاية لإسماعيل القرشي (10/ 649) .

(3) موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام - الدرر السنية (4/ 359) .

(4) الملل والنحل للشهرستاني (1/ 117) .

(5) الملل والنحل للشهرستاني (1/ 118) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت