الصفحة 44 من 76

الكاتب: وسيم فتح الله

قال الله تعالى:"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قويٌ عزيز" (الحديد - 25) ، والمتدبر في معنى قوله تعالى:"وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب"يجده متجهًا إلى التكليف بهذه النصرة كما فسرته آية أخرى من كتاب الله تعالى:"ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم" (محمد - 31) .

وكأن الآية الكريمة تشير إلى قصور من يركن إلى حفظ الكتاب بمجرد تحكيمه والتحاكم إليه دون أن تكون له شوكة تحميه، وإلا فإن مجرد الهداية المحضة - أعني هداية الإرشاد - تتحقق بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتحكيمها، ولكن هذا غير كافٍ البتة في تحقيق مراد الله تعالى وهو قهر الناس أجمعين تحت سلطان هذا القرآن، قال تعالى:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون" (التوبة - 29) .

ولا يشكل على هذا قوله تعالى:"لا إكراه في الدين" (البقرة - 256) ، لأن منتهى آية الجزية أن تخضع رقاب الناس وتذل لحكم الله عز وجل سواءٌ أختارت الدخول في دين الإسلام طواعيةً أم لا، وحكم الله تعالى هنا - الجزية - مرادٌ منه أن تنكسر أعناق العبيد لرب العبيد شرعًا كما أنها منكسرة له قدرًا، وفرقٌ مهم بين إجبار الناس على اعتناق الإسلام وهو ممتنعٌ شرعًا (للنهي عنه) وعقلًا (لأن محل العقيدة القلب وهذا لا سلطان لأحد من البشر في قهره وإجباره على التزام عقيدة لا يدين بها) وبين إجبار الناس على الانصياع لحكم الله تعالى فيهم كفارًا كانوا أم مسلمين. وبيان ما تقدم أن القرآن الكريم - وهو المهيمن على ما سواه والناسخ لما سبقه من كتب - قد اشتمل على أحكام شرعية تخص المسلمين الذين هم أمة الإجابة وأخرى تخص غير المسلمين الذين هم أمة الدعوة.

ولا سبيل لتطبيق هذه الأحكام إلا باستعمال الحديد الذي سخَّر الله لنا الضرب به لخدمة الكتاب الذي يسر الله لنا الاسترشاد والحكم به، وباجتماع هذين - أعني المصحف والسيف - يقوم الدين، وبضياعهما أو أحدهما يضيع الدين، ألم تر معي إلى أن القرآن الكريم كان أول تنزُّله في اللوح المحفوظ ثم ثاني تنزُّله إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم ثالث تنزُّله على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم منجَّمًا مفرقًا على الحوادث؛ ففي أي مرحلة من مراحل التنزيل هذه وجدت أثر القرآن الكريم في هذا الكون الفسيح.

أليس في آخر تنزلاته حين اقترن العلم بالعمل وتم تحكيم شرع القرآن قضاءً كما أنه كان مُحكَّمًا ديانةً، وهل كان تحكيم قضاء القرآن الكريم إلا بالسلطان والحديد؟ تأمل معي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال:"فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه، ثم قال تعالى (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) فمن عَدَل عن الكتاب قُوِّم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف، وقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا يعني السيف من عدل عن هذا يعني المصحف" (السياسة الشرعية) ، وقلت: وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة:"وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" (الأنفال - 39) ، فالمعلوم أن من المعاني اللغوية لكلمة"الدين"الحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت