ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى في سورة يوسف:"ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله" (يوسف - 76) ، فإذا استحضرنا هذا المعنى إضافةً للمعنى المتبادر للذهن ابتداءً وهو الدين بمعنى الملة أي ملة التوحيد، تبين لنا أن غاية القتال هي القضاء على الفتنة بمعنى التخلية بين الإسلام ومن يريد الدخول فيه فيُمكَّن من ذلك دون خوف أو تردد ويعصم بذلك دمه وماله.
وأن يكون الحكم الكلي على وجه الأرض لشرع الله تعالى ووجه ذلك بالنسبة للكفار أن يقبلوا واحدًا من ثلاث: الإسلام أو الجزية أو الحرب فأي واحدٍ قبلوا من هذا فقد نزلوا علىحكم الله تعالى وبالتالي انصاعوا لأمره سبحانه وتعالى وتحقق انفراد الله بالحكم شرعًا كما أنه منفرد به قدرًا دون أن يستلزم الإكراه على اعتناق الإسلام، ويشهد لهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (صحيح البخاري- الجهاد والسير) .
وقد جاء تقرير علو كلمة الله تعالى في القرآن في مقابلة الكلمة السفلى للذين كفروا حيث قال تعالى:"وجعل كلمةَ الذين كفروا السفلى وكلمةُ الله هي العليا" (التوبة - 40) ، فجعلُ كلمة الذين كفروا السفلى يكون بكسر شوكتهم وإنزالهم على حكم الله فيهم كرهًا وبهذا يكتمل كون الدين كله لله شرعًا، وإن غفلة الكثير عن تحرير هذه الفروق الدقيقة توقع في اللبس وفي توهم إجبار الناس على اعتناق الإسلام بالسيف وليس الأمر كذلك كما تقدم.
إذا علم ما تقدم تبين لنا أن منصب الإمامة والسلطان إنما جُعل لتقوم به شوكة الدين ولتناط به مسؤولية إظهار شعائره وحفظ بيضته؛ ومن أعظم مظاهر ذلك تحكيم الشريعة وإقامة الحدود وتأمين السبل وعقد لواء الحج وحفظ الثغور وإرسال الكتب والبعوث وبث العيون وتجييش الجيوش لجهاد الطلب ونشر رسالة القرآن واستنفار المسلمين عند دهم العدو، وإنما كان الأمر بالسمع والطاعة للإمام في غير معصية والأمر بالصبر على ظلمه وجوره إن كان ظالمًا وأخذَ المال وجلد الظهر بغير حق أو تلبُّسه بغير ذلك مما يخل بشروط الإمامة بعد انعقادها بوجه صحيح إنما كان الأمر بالصبر على ذلك كله من أجل تحصيل هذه المنافع الأعظم التي مر ذكرها، فاحتمل الأذى الخاص تحصيلًا للنفع العام واحتمل فوات المكملات من عدالة الإمام ونحوه تحصيلًا لحفظ الأصل وهو وجود الإمام وتسخير سلطانه في ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار في الأمة الإسلامية.
وتأمل معي تعريف الإمام الماوردي للإمامة قال:"الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" (الأحكام السلطانية) قلت: هذا والله الذي يستحق أن أصبر على جلد ظهري وسلب مالي لأجله، وهذا والله الذي يستحق أن أتمسك ببيعة الإمام لأجله متناسيًا حظ النفس غير مؤثرٍ لهواها، وما ذلك كله إلا لعظم دور الإمامة والسلطان في حفظ الدين وهذا هو معنى أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
وهذا ما يشهد له الواقع فانظر كم من الناس يرتدع من فتوى عالم بحرمة كذا ثم انظر أضعاف أضعاف ذلك ممن يلتزمون أمر السلطان بتحكيم هذه الحرمة في حياة الناس وليس لكثير منهم رادعٌ سوى هيبة السلطان والإمامة وهذا هو المطلوب لحفظ الدين على مستوى الأمة أما كونه قادحًا في عمل الفرد من جهة عدم إخلاصه النية لله فهذه مسألة فردية لا تعلق لمسائل السياسة الشرعية بها.
فالسلطان والإمام يراد منه إظهار الحق بالشوكة ثم يكون قوله تعالى:"وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف -29) متجهًا للأفراد على سبيل التهديد، فيتبع الحق من اختار عن بيِّنة