ويتبع الهوى من اختار عن بيِّنة كما قال تعالى:"ليهلِك من هلك عن بيِّنةٍ ويحيى من حيَّ عن بيِّنة" (الأنفال - 42) . أما أن يتلبَّس السلطان بالفسق والظلم وربما بمناط الكفر ثم هو يضيِّع ما أنيط به من مهام حفظ الدين وإظهار شوكته فلا يعقد للحج لواءً ولا يرفع للجهاد رايةً ولا يؤمِّن للمسلمين ثغرًا ولا يقيم لنشر القرآن منهجًا ومسلكًا فأي علةٍ بقيت لاحتمال أذاه وانخرام عدالته ومقومات إمامته، وأي مصلحةٍ راجحة تحتم خنق الأمة بلزومٍ متوهمٍ لبيعته وطاعته والولاء له!
تأمل معي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله قال:"ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا بد للناس من إمارة برَّةً كانت أو فاجرة. فقيل يا أمير المؤمنين هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ فقال: تقام بها الحدود وتأمن بها السبل ويجاهد بها العدو ويقسم بها الفيء" (السياسة الشرعية) ، قلت: ولا شك أن الطامة أكبر والمصيبة أعظم عندما يضاف إلى تعطيل هذه المهام العظام المنوطة بالإمام تورط الإمام والسلطان في محاربة الدين وتعطيل حدوده وهجر التحاكم إليه ومخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإمضاء الجهاد إلى يوم القيامة ومناجزته أهل الحق ومهادنته أهل الباطل.
وعجيب كل العجب أن يأتيك من يقرر لمثل هؤلاء حق السمع والطاعة ولزوم البيعة محتجًا بنصوص الشرع التي إنما جُعل الإمام ليقوم على حمايتها فإذا به يقوم بتقويض أركانها.
فهل يقبل شرعًا أو عقلًا أن يتحول القرآن إلى سور وقاية لمن يعمل على هدمه وتعطيله، أو أن يتحول السلطان الذي جُعل لقتال أهل الكفر إلى حارس للكفار يسهر على راحتهم ويجاهد في سبيل القضاء على من يقض مضاجعهم من دعاة التوحيد وحملة راية الجهاد خلفًا عن سلف، سبحانك هذا بهتان عظيم! ثم حذار أن تغتر أيها المسلم بسماح بعض هؤلاء السلاطين بقيام بعض مظاهر العلم والدين فتقنع بذلك عن صفة الكمال.
فلقد قرر الله تعالى تلازم الأمرين أعني القرآن والحديد كما في الآية، وتأمل معي كلامًا نفيسًا جدًا لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال:"وهاتان السبيلان الفاسدتان - سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب ولم يقصد بذلك إقامة الدين - هما سبيل المغضوب عليهم والضالين، الأولى للضالين النصارى والثانية للمغضوب عليهم اليهود" (السياسة الشرعية) .
قلت: ووجه ذلك أن الأول سبيل إلى ضياع الكتاب وهو مفضٍ إلى الجهل والضلال الذي هو صفة النصارى، وأن الثاني سبيل إلى اتخاذ الطرق الموصلة إلى الآخرة مطايا لأغراض الدنيا وشهواتها وهي صفة اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم الدين.
فإلى كل ذي سلطان نقول: أين أنتم من قوله تعالى:"قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليكم من ربكم" (المائدة - 68) ، وإلى كل ذي علم من الكتاب نقول: أين أنتم من قوله تعالى:"فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلُّوا سبيلهم إن الله غفور رحيم" (التوبة- 5)
وإلى الجميع نقول إن واجب كل أحدٍ ممن انتسب إلى هذه الأمة العظيمة وحمل في قلبه هذه العقيدة الغالية المفدَّاة بالأرواح أن يعمل ما استطاع ويبذل جهده أشد ما يطيق حتى يتفق القرآن والحديد ويجتمع نور الحق ولمعان السيف ليخرق الأول حجب الظلام ويكسر الثاني شوكة الكفر وأهله، واعلم أن الرجل اليوم