ولكن ما حجة وتأويل من يكتم الحق ويروج للباطل بلبوس الحق؟
نعم، نحن اليوم بحاجة إلى أهل الحل والعقد أشد من حاجتنا إلى أهل البندقية والمدفع، فلقد أثبت أهل السلاح أنهم كفؤ وند لجحافل الكفر يقضّون مضاجعهم ويفندون نظرياتهم العسكرية والأمنية، أما فريق الكتاب والقلم والحجة والبيان فكثير منهم لا يزال مشغولًا عن ساحة المعركة، ولو أنه كان مشغولًا في حلقة علم لما زادنا ذلك إلا سرورًا فمدادهم آنذاك ينافس دماء الشهداء، أما أن يكون انشغال معظمهم أو كثير منهم في تفصيل التلبيسات الشرعية لترقيع ما اهترأ من نظم حكومات العمالة والخيانة فخطبٌ والله عظيم وفعل والله مشين!
أليس من العجيب إذن أن تُحشد عشرات النصوص والفتاوى لنصرة (حق) الكافر الذمي أو المستأمن كما يحلو للبعض أن يُلبِّس بهذه المصطلحات في حين تتكتم الأفواه عن قول كلمة حق أو تبليغ واجبٍ شرعي في نصرة عشرات بل مئات المسلمين دماءهم وأعراضهم وأموالهم؟
وليس لي غرضٌ في استحضار واقعة أو حادثة بعينها فلقد أصبح دأب القوم - مع الأسف - الالتزام باجتماع المهلكتين:"لبس الباطل"و"كتمان الحق"، كي يفت في عضد الأمة وينهش في لحمها وينشر فيها السم الزعاف.
ولعمر الحق إن مثل هؤلاء كمثل ملكٍ أمر خادمًا من خدمه أن ينطلق إلى ساحة قصره كي يطهره من الوحوش والسباع العاديات حتى يسود الأمن والأمان في ساحة القصر فإذا بهذا الخادم ينهمك في قتل الذباب ومطادرة البعوض في حين تنهش العقارب والحيات وأسود الغابات في لحم كل بريء ومستأنس، فكم تحسب مقدار رضى الملك عن فعل هذا الخادم؟
إن هاتين المهلكتين إذن سر دائنا ودوائنا، إذ أن الأمة الإسلامية لا تعوزها - بفضل الله تعالى - الطاقات ولا المقدرات ولا الموارد البشرية وغير البشرية.
وإنما يعوزها من يحمل لواء ورثة الأنبياء بصدق وأمانة ليبلغ عنهم ما حمله منهم وليُخرج من شاء الله تعالى من عباده من عبادة العباد إلى عبادة الله بحق، وليخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة بحق، وليبقى الحكام على كراسييهم لا ضير ولكن ليبقوا على شرع الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا غير، وليأخذوا حينذاك أموالنا وليضربوا أبشارنا