حتى كادت بعض الأسماء والمصطلحات الشرعية تفقد مدلولها الشرعي وتستحيل مجرد أسماء فارغة لا أثر لها في حياة المسلمين إلا التستر على الباطل والترويج له حتى يتبلد حس المسلم السوي فلا يعود ينكره - أي الباطل - بل وربما سعى في تمكين هذا الباطل لما توهمه من صحة نسبة المصطلح الشرعي إليه.
حتى إذا تحقق هذا اللبس والتشبيه جاءت المهلَكة الثانية التي أشارت إليها الآيات ألا وهي كتمان الحق، تلك الجريمة النكراء التي لا معنى لها سوى خيانة عهد الله تعالى وميثاقه، ولعمر الحق لئن شُبه بالباطل وكُتِم الحق فمتى يظهر الدين وكيف؟
قال الإمام أحمد رحمه الله: (إذا سكت العالم تقيةً وتكلم الجاهل بجهله، فمتى يظهر الحق؟) .
إن المعركة الجارية اليوم بين جند الإسلام وجحافل الكفر العالمية إنما تدور رحاها حول شيء واحد فقط هو شهادة؛"أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"، مع كل ما يترتب على هذه الشهادة من موجبات ولوازم.
وأقول بكل ثقة؛ إن حاجة المسلمين اليوم ليست إلى السلاح والعتاد بأشد منها إلى جهابذة الكلمة الحق الذين يزيلون اللبس عن الناس ويبلغون الحق عن رسل الله عز وجل الذين ورثوا أمانتهم وميثاقهم.
إن جنبات المجتمع المسلم اليوم تتفتق عن مئات الألوف ممن تقطعت أكبادهم وقلوبهم شوقًا لإهراق دمائهم على ساح الجهاد ولن يستطيع المجتمع أن يحتوي هؤلاء لفترة طويلة وليست حاجتنا اليوم إلى مزيد من هؤلاء، إنما حاجتنا اليوم إلى من يلبي نداء المولى سبحانه وتعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} .
نحن بحاجة اليوم إلى هؤلاء الربانيين حتى يوجهوا تلك الطاقات المشرفة على الانفجار حتى لا تضيع هدرًا وتذهب سدىً، لأنها ستذهب وستنفجر وسوف لن تنتظر صحوة منتسب إلى العلم من سكرة المنصب ونشوة جوار السلطان، إنها سوف لن تنتظر إذنَ أحدٍ من المخلوقين لأن أرواحها ما عادت تطيق انحطاط العوالم السفلية بل باتت في شوق إلى عالم الأرواح العلوية.
ومهما ظن أخصائيو التخدير أن مسلك هؤلاء مرجوح مقبوح فإن هؤلاء يُقبلون على الله بحجةٍ وتأويل فلعل الله تعالى أن يقبل منهم.