الصفحة 6 من 76

ولكن قد يخفى على الكثيرين من أبناء هذه الأمة العظيمة باطنها المتقيح الذي يكاد ينفجر في أية لحظة ليكشف عن حقيقته النتنة، وعندها لات حين ندم؛ فهذا النتن الذي يتفجر من صدورهم غايته - أيها الإخوة - إعلاء الكفر على الإيمان وإعلاء كلمة الكفر - خسئوا - على كلمة الله سبحانه وتعالى خابوا وخسروا، ولذا فإن أعظم انتصار لجحافل الكفر هذه لا يتمثل في تدمير بلدة أو إسقاط نظام أو احتلال أرض.

كلا، بل إن أعظم انتصار يحققه هؤلاء هو عندما يطوي العالم كتابه ويجف مداده ويسكت عن الصدع بالحق لسانه فلا يعود يتكلم بأسماء الدين ويهجر لسانه لغة القرآن وتهجر جوارجه هدي نبي الرحمة، فإذا به يستلف من مصطلحات العولمة والفلسفة وأئمة الكلام ويتشدق لسانه بألف لغة خلا لغة الوحي ويسلك في دعوته كل طريق اللهم إلا طريقًا يثير النعرة الطائفية - كما يوهمون - أو يزعج أشقاءنا - كما يسميهم البعض - من أتباع الديانات الأخرى.

وها هم أتباع هؤلاء من عوام المسلمين وقد سمعناهم بآذاننا يتوقفون حتى عن تكفير اليهود والنصارى، وقد تعلموا من"علمائهم"كيف يلوون ألسنتهم بالكتاب والوحي فيقول لك أحدهم:"إنهم ليسوا كفارًا بل هم أهل كتاب"،"إنهم ليسوا كفارًا بل هم مؤمنون من وجه"! بل ربما سمعنا هذا أو نحوًا منه من بعض المنتسبين إلى العلم والفتيا والله المستعان.

فيأيها العالم يا من أخذت حظك من ميراث النبوة؛ لقد كاد كل مسلم من هذه الأمة يحفظ مفردات موانع تكفير المعين من إكراه وجهل وتأويل لكثرة ما ترددت دفاعًا عن هؤلاء المتلبسين بالكفر، فهلا أعلنت أيها العالم النفير على كل من تلبس بمناط كفر؛ فإن تبين لك إكراهه استنهضت همم المسلمين لنصرته، وإن تبين لك جهله أقمت عليه حجة البلاغ بالحكمة والموعظة الحسنة، وإن ظهر لك أنه متأول حاججته ودرأت شبهاته حتى يتبين لك إن كان باحثًا عن الحق فتعود به إلى حظيرة الإسلام أم مخاصمًا مكابرًا عدو نفسه فتحكم عليه وتبين للناس حكمه.

أعود فأقول: إن قول الله عز وجل: {هو الذي خلقكم فمنكم كافرٌ ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير} [التغابن- 2] آية محكمة، وكل آية في معناها آية محكمة، وهل كانت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلا نذيرًا لمن تحمَّل اسم الكفر وبشيرًا لمن تحمَّل اسم الإيمان، قال تعالى: {إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم} [البقرة: 119] ، وإن جحافل الكفر وأذنابهم من مرضى القلوب المسارعين في طاعتهم واسترضائهم يريدون أن يوهموا المسلمين بأن لا فرق؛ لا فرق بين مؤمن وكافر، لا فرق بين مسلم ونصراني، ولا بين مسلم ويهودي، ولا فرق بين مؤمن من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وبين عارف بالإله أيًا كان هذا الإله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت