فتأمل هذه الفروق الدقيقة وهذه التنوعات المسلكية في مكافحة البدعة والفرقة. وهنا أمر تجدر الإشارة إليه وهو أن هذا التنوع المسلكي في مكافحة البدع والأهواء يعني أن أهل الحق لا يعدمون في وقت من الأوقات طريقًا لمكافحة البدعة وقمعها إن بالسنان تحت راية إمام وشوكة فبها ونعمت، وإن باللسان وقفةً حنبليةً ينصر الله بها الدين فبها ونعمت، والحاصل أنه ليس لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم أن يضعوا السلاح في وجه البدعة والأهواء ما تعاقب الليل والنهار، فتأمل.
إذا عُلم ما تقدم فإن منهج التعامل مع أهل الفرق والأهواء الذي تقدمت بعض معالمه إنما ينطبق في أكمل صوره على حالة الاستقرار السياسي العقدي للأمة بحيث يكون للأمة إمام تقوم به شوكة الدين ويعلو به عَلَمُ السنة، أما والحال كما ذكرنا من سياقات ضاعت فيها الإمامة الشرعيةواستباحت بيضةَ الدين فيها جحافلُ الحربيين الكفرة في جزء من بلادالإسلام وتربصت جحافل أخرى بما تبقى منها، فكيف يكون مسلك مكافحة البدعة والفرقة، وأين أولوية قتال أهل الافتراق حفاظًا على أمن الأمة السياسي من قتال جحافل الكفر التي تتهدد الكيان السياسي للأمة برمته؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات تقوم على أساس التمييز بين ما يختص بالثوابت العقدية الراسخة القائمة على التوقيف المطلق وبين ما يتعلق بفقه السياسة الشرعية القائم على أساس موزانة المفاسد والمصالح درءًا وجلبًا على الترتيب.