القاعدة الخامسة: مكافحة أهل الأهواء والبدعة والفرقة علمية وعملية:
وهذا مهم جدًا ويدور مع طبيعة الافتراق الحاصل كما بينا في القاعدة الأولى، فحيث كانت الفُرقة علمية منهجية كانت مجاهدتها بالحجة والبيان، وحيث كانت الفُرقة عملية حسية كانت منازلتها بالشوكة والسنان، ولا يستلزم القتال والقتل في الأخيرة تكفيرًا ولا خروجًا عن الملة وإن كان يحتمله بحسب حال الأصل البدعي المفارَق عليه؛ ولعل بعض الأمثلة التاريخية توضح هذا الأمر؛ فمكافحة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه للخوارج انطوت على شق علمي حيث بعث إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ليناظرهم ويخاصمهم بالحجة وكانت أقوى حججه عليهم أنهم ليس لهم سلف من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذهبوا إليه من تكفير أهل الكبائر.
وشق عملي تمثل في مقاتلة من أصر منهم على استباحة دماء المسلمين ببدعتهم هذه فكان قتاله إياهم من جنس قتال أبي بكر الصديق للمرتدين كما دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في هؤلاء الخوارج: (لئن أنا أدركتهم لأقتلنَّهم قتل عاد) [صحيح البخاري] ، ثم تأمل في قتال أبي بكر الصديق رضي الله عنه للمتنعين عن الزكاة فمنهم من امتنع جحودًا بها فكان قتالهم لردتهم، ومنهم من أقر بها ولكنه تأول عدم استحقاقها لغير الرسول صلى الله عليه وسلم فقاتلهم لامتناعهم لا لكفرهم وهو ما يُعرف في فقه السياسة الشرعية بقتال الطوائف الممتنعة.