الحمد لله القائل: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} .
والصلاة والسلام على رسول الرحمة ونبي الملحمة، القائل: (لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ، أَوْ مَوْضِعُ يَدِهِ فِي الجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) .
اللهم صلِّ على نبينا محمدٍ الضَّحوك القتَّال، وعلى آله وصحابته الأبرار، الذين بذلوا مُهج النفوس لإعلاء كلمة الواحد القهّار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والقرار.
أما بعد؛ فقد أعزّ الله أمّة الإسلام في شهر نزول القرآن، ونصر جنده أتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر، يوم الفرقان، فكان ذلك النصر لتلك الفئة القليلة آية، وتحطّمت كل طواغيت قريش تحت ذروة التوحيد.
قال -عز وجلّ-: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ} .
ولم يكن من هؤلاء الصحابة الأطهار إلّا أن يستجيبوا لدعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومَ أن قال لهم في بدر: (قوموا إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض) ، فصارت أرواحهم تسرح في الفردوس الأعلى؛ وهم يدكُّون معاقل الكفّار، ويضربون فوق أعناقهم شوقًا إلى ربّهم، وانتصارًا لدينهم، وإعزازًا لشريعة خالقهم.
لم يبالوا بالجراحات والدماء، ولا مفارقة الأهل والديار والأبناء، ولم يجدوا طمأنينة في قلوبهم إلا عند نزول الابتلاء، ومقارعة الأعداء، ولم يتمّ ذلك لأحد إلّا عندما يتعلق القلب بربّ الأرض والسماء. قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .
وقد تكفل الله -عز وجل- لمن جاهد في سبيله وأخلص نيته في ذلك أن يُدخله الجنة أو يردَّه إلى مسكنه بما نال من أجر أو غنيمة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (تكفَّل الله لمن جاهد في سبيله، لا يُخرجه إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته، بأن يدخله الجنة أو يُرجعه إلى مسكنة الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة) .