الصفحة 6 من 31

الأمر السادس وهو أننا حينما ننظر في هذه المنقولات والمرويَّات عن السلف الصالح ينبغي أن نُدرك بعض الفوارق الزمانيَّة والمكانيَّة والحاليَّة؛ فالسلف -رضي الله عنهم- كانوا يفرّقون في التعامل بين المحالّ والبلاد التي تفشو فيها هذه البدعة، يفرّقون بينها وبين غيرها، ولهذا نجد أن هؤلاء تختلف طريقتهم في التعامل حينما تكون البدعة فاشيةً في بلدةٍ عن التعامل في بلدة أخرى لم تفشُ فيها هذه البدعة؛ القدر في البصرة، التشيُّع في الكوفة، كيف كانوا يتعاملون مع هذه القضايا؟

وقُل مثل ذلك أيضًا حينما تقتضي المصالح الشرعية بعض المطالب التي تكون المصلحة فيها راجحةً، فقبلوا الرواية عن كثير من أهل البدع، لماذا؟ لضوابط محدَّدة، لأنهم لو تركوا ذلك لضاعت كثيرٌ من السنن.

المقصود أن السلف -رضي الله تعالى عنهم- كانوا ينظرون بالنظر الشرعي الذي يَزِنون به الأشياء بالميزان الصحيح، ولم يكونوا يتسارعون فيُطلقون الأحكام الكبيرة التي يرتّبون عليها أنواع اللَّوازم كما يفعل بعضنا اليوم.

أيضًا هناك مقدمات لا بد منها في النظر في أحوال المخالفين أو النظر في الخلاف نفسه:

أولًا: أن ندرك أن الخلاف شر، كما قال ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- وإن كان هذا لا يقتضي بالضرورة أن نذم المخالفين بإطلاق، فهؤلاء لهم أحوال -كما سيتبيَّن-، لكن الخلاف من حيث هو شر لما يفضي إليه من أنواع المفاسد.

والمخالف هنا الذي اجتمعنا من أجل مدارسة أحكامه يُقصد به من خالف الكتاب والسنة، أو خالف الكتاب أو السنة الصريحة أو إجماع الأمة خلافًا لا يعذرُ فيه، فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع، وهكذا من خاض فيما لا يسوغ له الخوض فيه، أو تتبَّع صِعاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت