فهرس الكتاب
الله، ولا يفتاتون على الشريعة في الأقوال، ولا يعطِّلون مقام الاستنباط والنظر، بل يجمعون هذه الأصول جمعًا، وهذا هو الفقه الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين وغيره: (من يُرِد اللهُ به خيرًا يفقِّههُ في الدين) .
إذًا هذه الأصول وخاتمتها الأخلاقيَّة هي جِماع الهدي والمنهج عند أهل السنة والجماعة في فهم النص الذي فَاتَ الطَّوائف الأخرى، وإن كان لا يَلْزَم -كما أشرت حتى يكون الكلام على مقام العدل- لا يلزم أن يكون فاتهم أصل مادة هذه الأصول من كل وجه، وإنما فَاتَهم التَّحقيق، والتحقيق درجات إلى أوجُهٍ من البدعة أو الضلالة أو الخطأ، وهذه مقامات معروفة، فإن المخالفين ليسوا درجة واحدة كما هو معروف، منهم مِن أهل البدع المُغلَّظة ومنهم دون ذلك، والبِدعة تكون في مقامات من الأقوال والأفعال والعقائد والتَّصديقات والتَّصورات.
وإذًا هذه هي الأصول: التَّسليم، الاقتداء، الجمع بين العقل والنقل وما نتج عنه من البُعد عن تقسيم الدين إلى ظاهر ومؤوَّل أو ظاهر وباطن، أو البُعد كذلك عن الخرافة التي دخلت على بعض الطوائف في أفعالهم وتصرفاتهم وآرائهم.
وانضبط منهج الاستدلال والاستنباط -الفقه والنظر- وهو مقامات: مقام تمييز الأصل عن الفرع، مقام تسمية الأدلة، مقام ترتيب الأدلة، مقام بيان الأدلة على مُقتضَى لغة العرب؛ فإن القرآن نزل بلسان عربي مُبِين.
ثم خاتمة في هذه الأصول وهي: العدل، وهي خاتمة أخلاقية من الشرائع التي شرعها الله وأمر بها، فهم يَبتَغُون مقام العدل والاعتدال والوسطية في هديهم، ولهذا هم بعِيدون عن الغلو كما أنهم بعيدون عن الجفاء في آرائهم وأقوالهم وتصرفاتهم، هذا هو الهَدْي الواجب شرعًا من حيث هو ماهيَّة علمية، وإن كان أهل التكليف يقصِّرون في تحقيق هذه المقامات كما قال الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ