الإيمان هو الإيمان بالله -سبحانه وتعالى- معرفةً وإخلاصًا له، بعبادته وحده لا شريك له، ولهذا لما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - مقام الإيمان جعله على هذا الوجه من الصفة: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) .
فلم يعرِض في هذه الأصول شيء من الاختلاف بين الصحابة، ولا حتى في أصول الشريعة التي هي قواعد الشريعة الكليَّة التي ينبني عليها التَّشريع، ومادة كثير منها ما سمَّاه المتأخّرون بالقواعد الفقهية، والأصول التي عليها مَبْنَى مقاصد الشريعة، وصار اختلافهم على هذا الاعتبار أنَّ ما هو في مسألة الفروع وبعض الأوجه التي تحتملها اللغة في فهم خطاب الشارع، ولم يظهر فيهم مُنازعة في شيء من الأصول التي سبقت.
ولهذا لم يكن سببٌ قائمٌ يقتضي تخصيص الصَّحابة باسم غير الأسماء الشرعيَّة الأولى التي سمَّى بها الله عباده في القرآن، كاسم المؤمنين، واسم المسلمين، واسم المتقين، واسم القانتين، واسم الصالحين؛ فإن هذه الأسماء هي الأسماء التي سمَّى الله بها أهل الاتِّباع في كتابه، فلما لم تقُم مُنازعة في أصول هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن سبب قائم يقتضي التَّخصيص، فإن الناس إما مؤمن وإما كافر لا يَدِين بدين الإسلام أصلًا، أو منافق أظهر دين الإسلام في ظاهره وفي باطنه كافرٌ به، وأما أهل الإسلام فإن تفاوتوا بالإتباع فإنهم داخلون في مقام الاصطفاء الذي قال الله فيه: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32] .
فلم يقُم سبب لتخصيصهم باسم من الأسماء حتى عَرَض في هذه الأمة وجهٌ من المفارقة لشيء من أصول هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبدأ ظهور الشُّبهات التي استطال بها كثيرٌ من الطوائف على عامة المسلمين وسواد المسلمين بالحكم تارة، وبالقول تارة، وبالفعل تارة.
وظهرت الخوارج، وكان هذا هو أول انحراف مادَّتُه من الشبهات، فخالفوا سواد الأمة، وخالفوا هدي الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بظهورهم،