ومُقدَّمهم ظهر زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجهٍ من الاعتراض على قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا جاء في الصحيحين وغيرهما من رواية جماعة من الصحابة منهم أبو سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب، ففي رواية أبي سعيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسَمَ قَسْمًا -أي مالًا-، وكان - صلى الله عليه وسلم - يقصِد في قَسْم هذا المال إلى أوجه من الحكمة الشرعية في تأليف قلوب المسلمين وحُدَثاء العهد بالإسلام، قال أبو سعيد:"فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كثّ اللحية، محلوق الرأس، مشمّر الإزار، وقال: اعدل يا محمد!"، وهذا الخطاب لم يقع من قبل أنَّ أحدًا من المسلمين ولو دَنَت رُتبته حتى جُفاة الأعراب الذين كانوا يأتون النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم مسلمون ولم يتحقَّق الإيمان في قلوبهم كما قال الله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] ، لكن لم يقع منهم شيء من هذه المادة، وإن كان يقع منهم مادة من الجفاء في التصرفات، لكن هذه مادة مُمَانِعة لقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كثرة احتماله - صلى الله عليه وسلم - وسِعة احتماله لجفاء الأعراب إلا أنَّ هذا الرجل لما قال له هذه الكلمة قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم: (ويلك أولستُ أحقَّ أهل الأرض أن يتقي الله؟) .
ثم ولَّى الرجل ولم يستغفر ولم يتُب بل ولَّى، فنظر إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مُقفِل قد ذهب وولَّى ظهره فقال: (إنه يخرج من ضِئْضِئ هذا قومٌ تحقِرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يُجاوِز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرُق السَّهم من الرَّميَّة) ، وفي رواية: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر -أي الرامي- إلى نَصْلِه -أي إلى نصل سهمه- فلا يجد فيه شيئًا، ثم ينظر إلى رِصَافِه فلا يجد فيه شيئًا، ثم ينظر إلى قَدَدِه فلا يجد فيه شيئًا، قد سبق الفَرْثَ والدَّم) ؛