فهرس الكتاب
، تراه في أكثر من مسجد فتمر الشهور والسنون، ولم تنقض حاجته بعد، لربما أخرج تقريرًا من هنا أو هناك بحالته، أو حالة مريضه، وتكون حالته قد انقضت، ومريضه شفي، أو مات ولكنه رأى في هذه المسألة متعة، وراحة من الكد وتحمل أتعاب العمل. وأخبارهم في هذا الباب كثيرة لا تنتهي، ومن ذلك ما عايشته في مسجدنا من محتالين: قلد الأول أنه معاق، والآخر مثل دور فاعل خير يحث الناس على إعانته، وبينما هم على تلك التمثيلية الهزيلة إذ يراهم أحد المصلين من باعة السلاح، ويشهد أنهما أتياه قبل الصلاة يريدان منه قطعة من السلاح , فنقص عليهما المال، وإذا بنا نرى المعاق يقوم صحيحًا ما به من بأس، ولكنه الكذب، والتحايل على أموال الناس , واستعطاف قلوب المصلين المحبين للخير.
وصدق الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ حين قال: (أكذب الناس السؤال والقصاص) [1]
وبعضهم يتخذ من القرآن وسيلة للشحاتة والمسألة , فيقف على أبواب المساجد يرتل الآيات، وكثير منهم يكسر في قراءتها , ويلحن في ترتيلها. اتخذ القرآن سبيلًا لهذه المهنة التي يمتهنها، وآخرون يقفون بعد الصلوات يعظون، ويذكرون الأحاديث والمواعظ ثم في نهاية الكلام يقول أحدهم: أخوكم محتاج، وحدث له .. وحدث له .. ، فساعدوه.
فاتخذ العلم سبيلًا للتأكل مع البضاعة المزجاة عند كثير من هذا الصنف إن لم يكن جميعهم.
فلهذا وغيره كان لا بد من وضع ضوابط، يمنع بها هؤلاء، مع جواز ذلك لمن كان محتاجًا وعرف منه الصدق، وعدم امتهان هذا الأمر.
(1) طبقات الحنابلة: (1/ 237) .