فهرس الكتاب
الفرع الخامس والثلاثون
لقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة تفيد أن الدباغ يطهر جلد الميتة كحديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (( إذا دبغ الإهاب فقد طهر ) )وحديث سودة (( ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها فما زلنا ننبذ فيه حتى صار شنًا ) )وحديث ميمونة قالت مرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بشاة يجرونها فقال (( لو أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ) )فقالوا:- إنها ميتة فقال (( إنما حرم أكلها ) )وفي رواية (( يطهرها الماء والقرظ ) )وغيرها فهذه الأحاديث تفيد جواز الانتفاع بالجلد بعد دبغه, ولكن ورد عندنا أيضًا حديث عبدالله بن عكيم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إليهم (( أن لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عصب ) )فكيف الجمع بين ذلك؟
والجواب أن يقال:- الجمع بينهما من وجهين:-
الأول:- أن حديث ابن عكيم ضعيف لا يحتج بمثله فقد ضعفه جملة كبيرة من أهل العلم ومع ثبوت ضعفه فإنه لا يثبت به شيء من أحكام الشريعة لأن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة ولكن قد ثبت عن بعض أهل العلم أنه صححه فحينئذٍ ننتقل للجواب الثاني:- وهو أنه قال (بإهاب) وقد قرر أهل العربية أن الإهاب اسم للجلد قبل الدبغ, بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - (( ألا أخذتم إهابها ... الحديث ) )وقد نص عليه بعض أئمة اللغة واختاره أبوالعباس ابن تيمية, وأنت تعلم أن الجلد قبل الدبغ لايجوز استعماله, فلا يكون حديث ابن عكيم هذا مخالفًا بل متوافق كل الموافقة مع الأحاديث لأن الأحاديث الأخرى تفيد جواز استعمال الجلد بعد الدبغ لأنه بعد الدبغ يسمى شنًا وقربة ونحو ذلك بدليل قول سودة:- (( ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها فما زلنا ننبذ فيه حتى صار شنًا ) )"رواه البخاري"فالجلد قبل الدبغ لاينتفع به لحديث ابن عكيم والجلد بعد الدبغ