فهرس الكتاب
الفرع الثامن والثلاثون
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( من غسل ميتًا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ ) )"حديث حسن بمجموع طرقه"وقد زعم بعض أهل العلم- رحمهم الله تعالى- إلى أن هذا الحديث منسوخ بحديث ابن عباس عند الحاكم وغيره قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( ليس عليكم في غسلِ ميتكم غسلٌ إذا غسلتموه إن ميتكم يموت طاهرًا ) )"وهو حديث حسن"وهذا الزعم فيه نظر ظاهر على صاحبه رحمة الله تعالى والصحيح إن الأحاديث يجب العمل بها جميعًا ولا يجوز ادعاء نسخ شيء منها إلا بدليل واضح وقد تقرر إن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن, والجمع بين هذه الأدلة ممكن وبلا تكلف وهو أن يقال:- إن الأمر في قوله (فليغتسل) ليس على بابه الذي هو الوجوب وإنما المراد به الندب بدلالة الأدلة الأخرى, وبهذا تتآلف الأدلة ولا يكون بينها نسخ ولا تحتاج إلى ترجيح لأن الجمع ممكن وقد روى نافع عن ابن عمر قول (( كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لايغتسل ) )قال ابن حجر بعد سياق هذا الأثر:- وهذا إسناد صحيح وهو أحسن ماجمع به بين مختلف هذه الأحاديث اهـ.
ويؤيده أن المسلم طاهر حيًا وميتًا, كما في حديث (( إن المسلم لا ينجس ) )فالغسل من تغسيل الميت ليس من باب الوجوب وإنما من باب الاستحباب, فحديث أبي هريرة يفيد الاستحباب وحديث ابن عباس يفيد الجواز ويروى (( أن أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر لما غسلته خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت:- إن هذا يوم شديد البرد وأنا صائمة فهل عليَّ من غسلٍ؟ قالوا:-لا ) )"رواه مالك في الموطأ ولكن فيه ضعف"وحيث تقرر إن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن فإننا نقول:- لا يجوز ادعاء النسخ لأن