الصفحة 118 من 131

الفرع الخامس والأربعون

لقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ) )فهذا الحديث يفيد أن الهجرة قد انقطعت وهو صريح الدلالة في هذا, بل إنه نفي مسمى الهجرة بـ (لا) النافية للجنس فجنس الهجرة قد انتفى وانقطع, كيف يكون ذلك مع أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا تنقطع الهجرة مادام الجهاد ) )وهو حديث صحيح, وقوله - صلى الله عليه وسلم - (( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها, قال ذلك ثلاث مرات ) )فظاهر هذه الأحاديث أنها متعارضة فكيف الجمع بينها؟

والجواب أن يقال:- إن المراد بالهجرة التي انقطعت هي الهجرة من مكة وذلك لأنها صارت بعد الفتح دار إسلام ولن ترجع بعده دار كفرٍ أبدًا, فالهجرة منها إنما هي لما كانت دار كفرٍ, فكان من أسلم فيها يؤمر بالهجرة إلى المدينة حيث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون ولكن بعد أن فتحها الله تعالى على رسوله - صلى الله عليه وسلم - انقطعت الهجرة منها فهذا هو المراد بقوله (لاهجرة بعد الفتح) أي أن الهجرة بعد فتح مكة من مكة قد انقطعت, وتبقى الأحاديث الأخرى تفيد بقاءها مابقي الجهاد ومالم تنقطع التوبة وعلى هذا فلاإشكال ولله الحمد والمنة, وهناك جواب آخر في هذه المسألة وهو أن يقال:- إن الهجرة التي انقطعت بقوله (لاهجرة بعد الفتح) إنما هي الهجرة الخاصة التي لها أحكامها الخاصة وهي الهجرة قبل الفتح من مكة, فإن هذه الهجرة التي قام بها المهاجرون كانت لها أحكام خاصة, ومن ذلك أنه يحرم على من هاجر هذه الهجرة أن يرجع إلى مكة للبقاء فيها إلا لحاجة ثلاثة أيام فقط, ولذلك سأل عمر بن عبد العزيز السائب بن يزيد ما سمعت في سكنى مكة للمهاجر, فقال:- قال العلاء بن الحضرمي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( ثلاث بعد الصدر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت