الصفحة 33 من 131

(سيئات) , إذا علمت هذا فاعلم أن الحسنات والسيئات بهذا الاعتبار لنا فيها نظران:-

نظر من ناحية مقدرها وموجدها ونظر من ناحية أسبابها, فأما هي بالنظر الأول فكلها من الله تعالى فالحسنات والسيئات من الله تعالى تقديرًا وإيجادًا, فقوله تعالى {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ} أي من عنده باعتبار الخلق والتكوين والإيجاد والتقدير والتصريف, وقولهم: {هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} أي وجودها من طرفك وإنما هي شؤم ووجودك بيننا, فنفى الله تعالى ذلك بقوله {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ} وأما بالنظر الثاني أي بالنظر إلى الأسباب فإن السيئة تُنسب لكسب الإنسان كما قال تعالى: {وَمَاأَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [1] وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [2] وقوله تعالى: {أَوَلَمَّآ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} [3] ونحو هذه الآيات, والمشركون في نسبة السيئة للنبي - صلى الله عليه وسلم - قد قفوا أثر من قبلهم من اليهود الذين قالوا لموسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَأِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ} [4] أي يقولون إنما أُصبنا بذلك بسبب وجودك ياموسى بيننا فبين الله تعالى أن هذه النسبة خطأ وأن المتصرف وحده والمقدر للأشياء كلها إنما هو الله وحده لاشريك له, وهذا واضح إن شاء الله تعالى والخلاصة أن يقال:- إن الحسنات والسيئات بالاعتبار المذكور- أي بمعناها الذي ذكرته لك - لها نسبتان, نسبة إيجاد وتقدير وتصريف فلا يجوز نسبتها إلا إلى الله

(1) سورة الشورى آية (30)

(2) سورة الروم آية (41)

(3) سورة آل عمران آية (165)

(4) سورة الأعراف آية (131)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت