فهرس الكتاب
الفرع السادس عشر
لقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( وكسب الحجام خبيث ) )ولكن ثبت عنه أيضًا في الصحيح من حديث ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - (( احتجم وأعطى الحجام أجره ) )وفي رواية (( أعطاه دينارًا ) )فقد حكم عليه بأنه خبيث ومع ذلك فقد أعطاه دينارًا بعد حجامته فكيف نجمع بين حكمه هذا وإعطائه الحجام أجرته؟
والجواب:- أن يقال:- لقد تقرر في الأصول أن الجمع بين الأدلة واجب ماأمكن ووجه الجمع هو أن تعلم أن الوصف بالخبث لا يستلزم التحريم, ولا النجاسة, فليس كل خبيث يكون حرامًا أو نجسًا, فالخبث شيء والتحريم والنجاسة شيء آخر, ويوضح ذلك الإشكال وصفه - صلى الله عليه وسلم - الثوم والبصل أنهما شجرتان خبيثتان ومع ذلك لم يقل أحد بتحريم أكلهما فيما نعلم فلا تلازم بين الخبث والتحريم ولا بين الخبث والنجاسة إذا علمت هذا فاعلم أن الوصف العام هو أن كسب الحجام خبيث بمعنى رديء وفيه دناءة أن يجعل رزقه هو التكسب بسحب الدم الفاسد فهذا لا شك أنه عمل لا ينبغي للأحرار أصحاب العزة والشرف فهذا الكسب من هذه المهنة لا يطيب للحر أكله ولذلك إذا أخطأ الحر واشتغل بذلك فينبغي له ألا ينفق على نفسه منه ولكن يعطيه البهائم والرقيق ولذلك لما سأله محيصة - رضي الله عنه - عن كسب الحجام نهاه عن ذلك فذكر له الحاجة فقال:- أعلفه ناضحك فالحر لا ينبغي له أن يحترف الحجامة ويجعلها مصدرًا لقوته وكسبه, لأنه كسب خبيث رديء دنيء, ومهنة محتقرة ذميمة خسيسة لا تنبغي لأهل المقامات والشرف والحسب والنسب, أما نفس الكسب فإنه حلال في ذاته لكنه خبيث فالنبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى الحجام دينارًا لأن الكسب حلال, لكنه خبيث بالنسبة للحاجم وليس بالنسبة للمحجوم, أي هو خبيث بالنسبة للأخذ