فهرس الكتاب
لابالنسبة للمعطي وبعبارة أخرى أقول:- إن الخبث نوعان:- خبث حسي وهو خبث النجاسة الحسية كنجاسة العذرة والبول ودم الحيض والدم المسفوح ونحوها مما ثبت في الشرع نجاستها, وخبث معنوي وهو الخبث باعتبار آخر كخبث الرائحة في الثوم والبصل, وخبث الدناءة في كسب الحجام والخبث المعنوي لا يستلزم النجاسة ولا التحريم وبهذا التخريج فلا يكون بين هذه النصوص أي إشكال ولكن أقول:- ينبغي أن يعلم أن الرجل إذا كان محتاجًا إلى هذا الكسب وليس له مايغنيه عنه إلا مسألة الناس فلا شك أنه خير من المسألة كما قال بعض السلف:- كسب فيه دناءة خير من مسألة الناس, فقوله - صلى الله عليه وسلم: (( كسب الحجام خبيث ) )دليل على حكم جعلها مهنة يتكسب منها وإعطاؤه الحجام دينارًا دليل على حله, إذًا فكسب الحجام حلال في ذاته ولكنه خبيث في وصفه, والله ربنا أعلى وأعلم.
الفرع السابع عشر
عندنا نصان يحتاجان إلى جمع وهما:- قوله تعالى {وَلايَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [1] وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [2] فالله تعالى لا يعُذب أحدًا بلا ذنب سابق, وهذا ماتقرر في قلوب المسلمين, ولكن ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( الشمس والقمر ثوران مكوران في جهنم ) )وهو في الصحيح, ولما سمع الحسن هذا الحديث من أبي سلمة قال:- ماذنبهما؟ فقال أبو سلمة:- إنما أحدثك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسكت الحسن فكيف نجمع بين تعذيبهما ولم يصدر منهما أي ذنب وإنما هما خلق مسخر من آيات الله الكونية وبين المتقرر أن الله تعالى لايعذب أحدًا بلا ذنب؟
(1) سورة الكهف آية (49)
(2) سورة العنكبوت آية (40)