الصفحة 57 من 131

الفرع الثامن عشر

لقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع التوارث من الأنبياء بقوله عليه الصلاة والسلام: (( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ) )"متفق عليه"فهذا الحديث يبين أن النبي لا يورث فكيف نجمع بين هذا الحكم وبين قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاودَ} وقوله تعالى عن زكريا: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِياًّ 5} يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِياًّ [1] فهذه الآيات تفيد وجود التوارث بين الأنبياء وذريتهم فكيف الحديث ينفي التوارث والآيات تثبته؟

والجواب:- أن يقال:- لقد تقرر عند أهل العلم أن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن, وقد قسموا- رحمهم الله تعالى- الوراثة إلى قسمين:-

الأول:- وراثة حسية أي وراثة المال.

الثاني:- وراثة معنوية.

فالأنبياء صلى الله عليهم وسلم إذا ماتوا وخلفوا مالًا فإنه لا يورث وإنما يكون صدقة ينفق على الفقراء والمساكين, فذرية الأنبياء لا يرثون المال الذي خلفه الأنبياء, وهذا هو مايفيده الحديث بدليل قوله في آخره (( ماتركناه صدقة ) )فظاهر ذلك أن المراد بالوراثة إنما هي الوراثة المالية لأن الصدقة تكون به, فدل ذلك على أن المراد بقوله (لا نورث) إنما هي الوراثة الحسية أي وراثة المال, وأما الوراثة المعنوية وهي وراثة النبوة والعلم والملك فإنها ثابتة للأنبياء فيموت النبي ويرثه أحد أبنائه وراثة معنوية فيكون نبيًا مثل أبيه وهذا هو المراد بالآيات المذكورة فإن سليمان إنما ورث من أبيه داود النبوة والعلم والملك وليس المراد وراثة المال بدليل أن داود عليه

(1) سورة مريم آية (5, 6)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت