الصفحة 77 من 131

أهل هذه السماء, فتخطف الجن السمع فيلقونه إلى أوليائهم فيرمون به, فما جاؤوا به على وجه فهو حق ولكنهم يرقون فيه ويزيدون )) فهذا الحديث يثبت أن الشياطين كانت ترمى في الجاهلية وهذا الرمي كان الناس يعتقدون فيه اعتقادًا فاسدًا فصوب عليه الصلاة والسلام هذا الاعتقاد الفاسد بأن هذا الرمي إنما سببه استراق الجن لخبر السماء فدل ذلك على أن الشياطين كانت ترمى قبل بعثته - صلى الله عليه وسلم - ,فكيف إذًا تستغرب الشياطين أنهم روموا بالشهب في الحديث الأول مما دعاهم لشدة استنكارهم أن يضربوا مشارق الأرض ومغاربها بحثًا عن سبب رميهم بالشهب, مع إنهم كانوا يُرمون بها قبل البعثة فالأمر ليس جديدًا عليهم, فهذا الحديثان يظهر منهما التعارض لأن الحديث الأول ينفي الرمي قبل البعثة والحديث الثاني يثبته فما الجواب؟

لا اختلاف بين الحديثين أبدًا, بل هما متفقان لا يتفرقان ومؤتلفان لا يختلفان, وبيان ذلك أن يقال:- لقد اختلف أهل العلم في وجود الرمي قبل البعثة, فهل كان يرمى بالشهب قبل البعثة لم يرمِ بها إلا بعد مبعثه - صلى الله عليه وسلم - على قولين:- فقيل أنه لم يكن يرمى بها في الفترة بين عيسى عليه السلام وبعثة محمد عليه الصلاة والسلام, ففي هذه الفترة لم يكن يرمى بالشهب وقال بهذا القول بعض الصحابة كأبي بن كعب وغيره وهذا القول ضعيف لأنه مخالف لحديث ابن عباس الثاني, والقول الثاني:- أن الشياطين كانت ترمى قبل البعثة وهذا القول هو الراجح واختاره الإمام القرطبي وابن كثير بل هو قول الأكثر ويدل عليه حديث ابن عباس الثاني ولا داعي لإنكاره أو تأويله فكلا الحديثين يثبتان الرمي, فحديث ابن عباس الأول يثبت الرمي بعد البعثة وحديثه الثاني يثبته قبل البعثة, لكن الرمي في الفترتين يختلف, فإن الرمي بالشهب قبل البعثة كان موجودًا لكنه كان لا يمنع الشياطين من القعود في مقاعدهم عند السماء الدنيا لاستراق السمع وقد يمنعهم, ولم يكن يرمى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت