فهرس الكتاب
(المسألة الأولى) أن النسخ عند السلف- رحمهم الله تعالى- يختلف عن النسخ عند المتأخرين فإن مفهومه عند السلف أعم فيدخل فيه التخصيص وإزالة بعض المفاهيم المغلوطة كأن تنزل آية والمراد بها شيء معين ثم يفهم بعض الصحابة منها العموم ثم تنزل آية أخرى تصلح هذا المفهوم فهذا الثاني يعد عند السلف نسخًا لأنه نسخ هذا الفهم الخاطئ في الآية الأولى, فالسلف الذين قالوا:- قالوا إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:- {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًَا إِلا وُسْعَهَا} لايقصدون بالنسخ مايفهمه المتأخرون وإنما يعنون أنها صححت بعض المفاهيم وبينت المراد وأزالت بعض الإشكالات وبيان ذلك:- أنه لما نزل قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُوا مَافِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ} فهم الصحابة أنهم قد كلفوا بما ليس في وسعهم فجاؤوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثم جثوا على الركب وقالوا:- أي رسول الله قد كلفنا من العمل ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة, وقد نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم:- سمعنا وعصينا, قولوا:- سمعنا وأطعنا فنزل قوله تعالى:- {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًَا إِلا وُسْعَهَا} فبين الله - عز وجل - بهذه الآية أن الآية قبلها ليست من باب تكليف مالا يطاق بل هو تكليف بماهو داخل تحت الوسع والطاقة فلأن الآية الثانية أزالت ماقد ظن دلالة الآية الأولى عليه سماها بعض السلف نسخًا وهي في الحقيقة ليست نسخًا على مصطلح المتأخرين وإنما هي من قبيل بيان المجمل وتوضيح المراد منه فعلى ذلك فلايكون بين الآيتين تعارض بل قوله تعالى:- {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًَا إِلا وُسْعَهَا} مبين لما أجمل في قوله: {وَإِن تُبْدُوا مَافِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ} وهو الذي اختاره أبو العباس ابن تيمية والله أعلم.