الصفحة 83 من 131

العقوبة على مثل ذلك وفهموا أنه هو المراد من قوله تعالى: {أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ} فجاء قوله تعالى:- {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًَا إِلا وُسْعَهَا} ليبين لهم أن هذه الوساوس لا تأثير لها لأنها لاتدخل تحت وسعكم بل هي شيء يلقيه الشيطان وما ليس بداخل في وسعكم فإنكم لا تحاسبون عليه وهذا الأمر الأخير هو المراد بالحديث المذكور (( إن الله تبارك وتعالى قد تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها مالم تعمل به أو تتكلم ) )فالمراد بحديث النفس هذه الوساوس والخطرات التي من الشيطان إما في ذات الله تعالى أو صفاته أو وجوده أو غيرها من مسائل الغيب أو في الطلاق أو العتاق ونحوه فهذا لايضر الإنسان مالم يبده بقولٍ أو فعلٍ, ولذلك ورد في بعض الأحاديث أن بعض الصحابة قالوا:- (( إنا لنجد في أنفسنا ما يحب أحدنا أن يكون فحمة ولا يتكلم به ) )وفي بعضها (( مايتعاظم أحدنا أن يتكلم به ) )ومن المعلوم أن هؤلاء الصحابة لم يسألوا إلا لكراهيتهم لهذا الوارد من الوساوس والخطرات في أمور يود أحدهم أن يموت وأن يحترق حتى يكون فحمة ولا يتكلم بها, فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا الأمر لا يضرهم شيئًا مالم يعملوا أو يتكلموا به بل هو مع كراهته ومجاهدته من صريح الإيمان, وأما الأمر الخفي الذي يكون في وسع الإنسان دفعه لكنه رضي به وسلم له واستمرأه فهذا له وضع آخر وحكم آخر وبهذا لا يكون بين الآية والحديث أي تعارض, وذلك لأن الخطرات ووساوس الصدر وحديث النفس معفو عنه لقوله تعالى:- {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًَا إِلا وُسْعَهَا} وبالحديث المذكور, فهي ... - أعني هذه الوساوس- والخطرات التي ورد الحديث بأنها معفو عنها غير داخلة في قوله تعالى: {أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ} كما قد ظنه الصحابة وصحح الله تعالى هذا الفهم الخاطئ بقوله:- {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًَا إِلا وُسْعَهَا} فلله در هذه الأدلة انظر كيف التآلف بينها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت