فهرس الكتاب
والاتفاق فهي ركن شديد للعبد لابد له منه لاحرمنا الله بركتها وجعلنا وإياك من الذابين عنها والباذلين لأرواحهم دونها فإن قلت:- بقي عندنا إشكال وهو قوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادِ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [1] فهذه إرادة والإرادة أمر باطني خفي, فكيف يذيقه من عذاب أليم وهو لم يعمل ولم يتكلم وإنما أراد فقط, فهذه الإرادة من حديث النفس فكيف نجمع بين هذه الآية والحديث؟
فأقول:- الجواب على هذا هو أن يقال:- نحن قسمنا مايخفيه الإنسان إلى قسمين:-
الأول:- قسم هو من إملاء العبد لنفسه فهو يفكر فيه ويريده ويعزم عليه, ويعتقد أحيانًا صحته, فهذا الأمر هو مما يخفيه العبد ولكنه مما يدخل تحت وسعه فهو محاسب عليه إن كفرًا فهو كفر وإن كان معصية فهو تحت المشيئة.
الثاني:- قسم يخفيه الإنسان لكنه كاره له, ولا قدرة له على عدم وجوده في نفسه لأنه من تسلط الشيطان ووسوسته التي لا يسلم منها أحد فهو من حديث النفس ووسوسة الصدر التي تصيب البشر جميعهم إلا من عصمه الله, فهذا القسم لا يوآخذ الله عليه وهو من رحمة الله تعالى أعني عدم الموآخذة عليه, لأنه لا يدخل تحت الوسع فلو أن الله تعالى حاسبنا على ذلك الأمر لهلكنا إذ لا يسلم منه أحد إلا من شاء الله, إذا علمت هذا فاعلم أن قوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادِ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} مؤيد لما قلناه فهو داخل تحت القسم الأول من أقسام ما يخفيه الإنسان والدليل على ذلك أمور:-
الأول:- أنه قال:- {يُرِدْ} والإرادة ميل النفس للشيء قبوله فهو مريد لهذا الأمر, فإذًا هو ليس بكاره له, بل مريد له, وهذه الإرادة دليل على أنه يقدر
(1) سورة الحج آية (25)