فهرس الكتاب
الفرع التاسع والعشرون
أقول:- لقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( لا عدوى ولا طيرة ) )ففي الحديث نفى الطيرة بـ (لا) النافية للجنس والمراد بالنفي تأثيرها على النحو الذي يعتقده أهل الجاهلية ويدخل في هذا النفي كل التشاؤم لأن قوله (طيرة) نكرة وقد وردت في سياق النفي, وقد تقرر في الأصول أن النكرة في سياق النفي تعم, فيدخل في ذلك كل ما يسمى طيرة أو تشاؤم لكن يشكل على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - (( الشؤم في ثلاث في المرأة والدار والدابة ) )وفي رواية أخرى (( إنما الشؤم في ثلاثة في الدابة والمرأة والدار ) )ولمسلم (( إن كان الشؤم في شيء ففي الدابة والمسكن والمرآة ) )فهذا الحديث بهذه الروايات يفيد وجود الشؤم في هذه الأشياء الثلاثة فكيف تنفى الطيرة في نص, وتثبت في نص آخر؟
والجواب أن يقال:- إن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن وهو هنا ممكن سهل لا إشكال فيه ولله الحمد والمنة وحيث وجب فلا يجوز القول بالنسخ ولا بالترجيح لأنهما لا يفزع إليهما إلا عند تعذر الجمع, لكنه هنا ممكن بلا تكلف وهو أن يقال:- لقد تقرر في الأصول أن العام يبنى على الخاص, فقوله - صلى الله عليه وسلم - (ولاطيرة) هذا لفظ عام, وقوله (الشؤم في ثلاثة) هذا خاص, والخاص مقدم على العام, وهذا قول الإمام مالك وابن قتيبة واختاره الشوكاني - رحمهم الله تعالى- لكن مع القول بالتخصيص إلا أنه يجب عليك أن تفهم إن من نحى ذلك المسلك لا يظن به أنه يرخص في الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة على نحو ماكانت الجاهلية تفعله وتعتقده, بل المراد بهذا التخصيص أن العبد إذا كره شيئًا من ذلك بسبب ما يصيبه بعد مقاربة شيء من هذه الأعيان ثم ابتعد عنها وفارقها فإنه لا حرج عليه, فغاية