وإياك والظلم مهما إستطعت ... فظلم العباد شديد الوحم
وسافر بقلبك بين الورى ... لتبصرى آثار من قد ظلم
فتلك مساكنهم بعدهم ... شهود عليهم ولاتتهم
وما كان شىء عليهم اضر ... من الظلم وهو الذي قد تصم
فكم تركوا من جنان ومن ... قصور وأخرى عليهم اطم
صلوا بالجحيم وفات النعم ... وكان الذي نالهم كالحلم فصل
ومن عقوباتها ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي فلا تراه الا خائفا مرعوبا فان الطاعة حصن الله الاعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب فمن أطاع الله إنقلبت المخاوف في حقه أمانا ومن عصاه إنقلبت مأمنه مخاوف فلا تجد العاصي إلا وقلبه كانه بين جناحي طائران حركت الريح الباب قال جاء الطلب وان سمع وقع قدم خاف أن يكون نذيرا بالعطب يحسب كل صيحة عليه وكل مكروه قاصد اليه فمن خاف الله آمنه من كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء
بدا قضاء الله بين الخلق مذ خلقوا ... إن المخاوف والاجرام في قرن ومن عقوباتها انها توقع الوحشة العظيمة في القلب فيجد المذنب نفسه مستوحشا قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه وبينه وبين الخلق وبينه وبين نفسه وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة وأمر العيش عيش المستوحشين الخائفين وأطيب العيش عيش المستأنسين فلو نظر العاقل ووازن بين لذة المعصية وما تولد فيه من الخوف والوحشة لعلم سوء حاله وعظيم غبنه اذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة المعصية وما توجبه من الخوف
اذا كنت قد أوحشتك الذنوب ... فدعها اذا شئت واستأنس وسر المسألة ان الطاعة توجب القرب من الرب سبحانه وكلما اشتد القرب قوى الانس والمعصية توجب البعد من الرب وكلما زاد البعد قويت الوحشة ولهذا يجد العبد وحشة بينه وبين عدوه للبعد الذي بينهما وإن كان ملابسا له قريبا منه ويجد أنسا قويا بينه وبين من يجب وإن كان بعيدا عنه والوحشة سببها الحجاب وكلما غلظ الحجاب زادت الوحشة فالغفلة توجب الوحشة واشد واشد منها وحشة المعصية واشد منها وحشة الشرك الكفر ولا تجد أحدا يلابس شيئا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب مالابسه منه فتعلوا الوحشة وجهه وقلبه فيستوحش ويستوحش منه