فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 447

وقوله صلى الله عليه و سلم إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم قال بعض العلماء هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه والأمر قيد بحسب الاستطاعة وروى هذا عن الإمام أحمد رحمه الله ويشبه هذا قول بعضهم أعمال البر يعملها البر الفاجر وأما المعاصي فلا يتركها إلا صديق وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال له اتق المحارم تكن أعبد الناس وقالت عائشة رضي الله عنها من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب وروي مرفوعا وقال الحسن ما عبد العابدون بشيء أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه والظاهر أن ما ورد من تفضيل ترك المحرمات على فعل الطاعات إنما أريد به على نوافل الطاعات وإلا فجنس الأعمال الواجبات أفضل من جنس ترك المحرمات لأن الأعمال مقصودة لذاتها والمحارم مطلوب عدمها ولذلك لا تحتاج إلى نية بخلاف الأعمال وكذلك كان جنس ترك الأعمال قد تكون كفرا كترك التوحيد وكترك أركان الإسلام أو بعضها على ما سبق بخلاف ارتكاب المنهيات فإنه لا يقتضي الكفر بنفسه ويشهد لذلك قول ابن عمر رضي الله عنهما لرد دانق من حرام أفضل من مائة ألف تنفق في سبيل الله وعن بعض السلف قال ترك دانق مما يكرهه الله أحب إلى الله من خمسمائة حجة وقال ميمون بن مهران ذكر الله باللسان حسن وأفضل منه أن يذكر الله العبد عند المعصية فيمسك عنها وقال ابن المبارك لأن أرد درهما من شبهة أحب إلى من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف حتى بلغ ستمائة ألف وقال عمر بن عبدالعزيز ليست التقوى قيام الليل وصيام النهار والتخليط فيما بين ذلك ولكن التقوى أداء ما افترض الله وترك ما حرم الله فإن كان مع ذلك عمل فهو خير إلى خير أو كما قال وقال أيضا وددت أني لا أصلي غير الصلوات الخمس سوى الوتر وأن أؤدي الزكاة ولا أتصدق بعدها بدرهم وأن أصوم رمضان ولا أصوم بعده يوما أبدا وأن أحج حجة الإسلام ثم لا أحج بعدها أبدا ثم أعمد إلى فضل قوتي فأجعله فيما حرم الله على فأمسك عنه وحاصل كلامهم يدل على اجتناب المحرمات وإن قلت فهي أفضل من الإكثار من نوافل الطاعات فإن ذلك فرض وهذا نفل وقال طائفة من المتأخرين إنما قال صلى الله عليه و سلم إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم لأن امتثال الأمر لا يحصل إلا بعمل والعمل يتوقف وجوده على شروط وأسباب وبعضها قد لا يستطاع فلذلك قيده بالاستطاعة كما قيد الله الأمر بالتقوى بالاستطاعة قال الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت