الصفحة 163 من 164

يقول الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن حسن الأنباني خادم العلم ورئيس لجنة التصحيح بمطبعة الشيخ الوقور مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر المحروسة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على مهبط الوحي سيدنا ومولانا محمد وعلى آله ومن تبع منهجمهم إلى يوم الدين أما بعد فلعله لا يخفى أن علماء الصدر الأول رضي الله عنهم كانت عادتهم فيما يعانونه من المؤلفات الوصول في البيان إلى درجة لا تشرئب النفس بعدها لزيادة فكانوا يوردون الدعوى ويردفونها بكل مار بما يكون له بها أدنى تعلق من أدلة شرعية ودعائم عقلية وحكم ادبية وجدانية وأسوار من الحيطة والتحفظ تحول بين الناظر وبين كل شبهة بل ومعاول جدلية يستطيع أن يهدم بها القارىء ما يبنيه المخالفون وإن زخرفوه وشيدوه تلك هي عادة علماء ذلك العهد وهي العادة التي بها العلم لا يخشى عليه من غارات الشكوك ولا من غوائر الأوهام وساعدهم على ذلك أن الشواغل الدنيوية كانت لا تنفذ إلى قلوبهم والسأم من ملامة ذلك المعنى كان لا يعرف مراكز نفوسهم وكذلك كان المتعلمون ولما تأخر الزمن وبعد عهد النبوة من الناس خف ما بقلوبهم من هوان الدنيا وحقارتها فالتفتوا إليها التفاتا أخذ يزداد يوما بعد يوم إلى هذا الزمن فلما استشعر العلماء ذلك وهم حملة الشريعة والمخاطبون بتبليغها رأوا أن ينهجوا في التبليغ نهجا غير نهج سلفهم ليقربوا للناس المسافات التي يقطعونها حتى يصلوا إلى مقاصد العلم فاختصروا كتب المتقدمين اختصارا به أصبحت لا يؤخذ منها إلا ما به العمل فقط ضاربين صفحا عن أدلته ولوازمها ذلك لأن الهمم أصبحت لا تستطيع إلا سلوك هذا الطريق وإلا تهيبت خوض هاتيك البحار الذاخرة وكانت النتيجة حرمان المؤمنين من انوار دينهم وعيشتهم في ظلمات الجهالات يتخبطون وهذا هو الموت الحاضر والشقاء الذي لا يرضاه أي مسلم لأخيه فكيف يرضاه العلماء وهم الواجب أن يكونوا أولى بالمؤمنين من أنفسهم وراثة لمورثهم عليه الصلاة والسلام وإن ممن نظر هذا النظر وصار في هذا المهيع أحد شيخي مذهب الإمام الشافعي وأسبقهم وهو الإمام الرافعي رضي الله عنه وأرضاه فكتب كتابا هو كاسمه المحرر كثير الفوائد عمدة في تحقيق المذهب معتمد للمفتي وغيره التزم أن ينص على ما صححه معظم الأصحاب ووفي بما التزم بذلك وصفه شيخ المذهب الثاني وهو الإمام النووي رضي الله عنه ولما كانت الهمم في زمن هذا الإمام ضعفت عن زمن الإمام الرافعي رأى وهو الولي الكبير والإمام المحقق دون مدافع أن يختصر المحرر مختصر الإمام الرافعي فكان ذلك في نصف حجم الأول ثم إنه مع هذا يمتاز عنه بنفائس مستجادات وتنبيه على قيود محذوفة ومسائل ذكرت في المحرر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت