وقد كانت للشرّاح مناهج مختلفة متنوعة خاصة من الذين استهدفوا بشروحهم فئات الطلبة والمتعلمين فكانت هناك شروح متفاوتة في التعمق ما بين كبير و أوسط و صغير وتحولت الشروح من نص وسيط هدفه فتح الأفهام إلى مجموع أدبي يجمع إلى التاريخ التراجم ويعرض إلى جانب المعارف الشرعية الحكايات الطريفة .. أي أنه أضحى مجالا لعرض المعارف واستثمار المحفوظ .
على أن الشرّاح لم يتعرضوا للشعر أو النثر دون منهج مضبوط بل بدءوا بالانتقاء فليست كل الإبداعات صالحة لتبدل الجهود في توضيح ما غمض منها وتفسير ما في ثناياها من قضايا كما أن الشرح ليس نهائيا فيغني اجتهاد شارح ما عن إعادة النظر في النص ، بل هناك نصوص استقطبت الاهتمام ولفتت انتباه العلماء على مر العصور فتتابعت شروحها ، ولعل أجلى مثال لذلك ديوان المتنبي الذي كان أول شرّاحه معاصره ابن جني ، وآخرهم البرقوقي في أوائل القرن العشرين ( [5] ) الذي لم يجد غضاضة في مراجعة الشروح القديمة والاستدراك عليها ، قال في مقدمة شرحه:
"وَجَّهْتُ عَزيمتي إلى التوسع في هذا الشرح وجعله شرحًا وافيًا من كل نواحيه، شرحًا أورد فيه جميع تفاسير الشرّاح ، وأقوال النقاد، وأستوعب مزايا كل الشروح ؛ وليس ذلك أثَرَةً مني واستبدادا بالمتنبي ... ولكنه حب الكمال ، وما يسمونه المثل الأعلى ... فلقد رأيت بعض الشرّاح قد اختصر الطريق ، واكتفى بتفسير الكلمات اللغوية ، وبعضهم قد جعل وَكْدَه الإعراب وما يتعلق بالأبيات من جهة النحو والتصريف ، وآخرين قصروا عنايتهم على إيراد السرقات والأشباه والنظائر . بَيْدَ أن هذه الأشباه - ومثلها الشواهد النحوية التي أوردها العُكْبَرِي ، ومن قبله الإمامان: أبو الفتح بن جني ، والواحدي تحتاج - هي الأخرى - إلى الشرح والتفسير ... ورأيت في بعض عبارات القدَامَى من الشراح غموضًا يجُمل أن يوضح أو يستبدل به غيره ، مما يوائم أذهان هذا الجيل" ( [6] )