{المعنى} إن هذه العصيدة أفضل وأعلى من البسطيلة ، وآية ذلك أنها بريئة من الزور الذي يعالج به الطَّباخ البسطيلة فيستعير حلاوتها من غيرها . كما أنه يعالج ظاهرها بتزويق وتزيين لعلها تكتسب بذلك زينة وأين هذه المعالجة بهذا التزوير والتزويق وإدخال التحسينات من هذه العصيدة التي بلغت النهاية في الحلاوة وحسن الذوق والغاية القصوى في الوضاءة فلا يحتاج وجهها المستنير إلى ما يستعير منه حسنا ففاقت البسطيلة من ذوقها العجيب ومن طلاوة محيَّاها الأبيض بنفسه من غير ذرور السكر كما يرى على وجه البسطيلة التي غدت كامرأة تستعير جمال وجهها مما تجعله عليها .
وما الحليُ إلا زينة لنقيصة
يُتَمِّم من حُسْن إذا الحس قصرا
وأما إذا كان الجمال موفَّرا
كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا
ثم قال:
فجاءت بما لم يأت فيما أتى به الـ
ـمُقنَّع فيما قاله والمُحَلِّق
الضمير في جاءت إلى العصيدة والمقنع الكندي شاعر جاهلي كان قال من أول قصيدة:
يلومونني في الدَّين قومي وإنما
ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
أسد بها ما قد أخلوا وضيعوا
ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
وفي فرس نجد عتيق جعلته
حجابا لبيتي ثم أخدمته عبدا
وفي جفنة لا يغلق الباب دونها
مكللة لحما مدفَّقة ثردا
وهذا البيت الرابع هو المقصود أي أن هذه العصيدة في جفنتها مكللة مدفقة أكثر مما وصف به الكندي جفنته والمحلق تقدم ذكره والمقصود ما كان الأعشى وصفه به في البيت الذي تقدم أيضا وهو:
نفى الذم عن آل المحلق جفنة
كجابية الشيخ العراقي تفهق
وهذا الوصف قد تقدم للجفنة في أول القصيدة وذكر هنا في نفس العصيدة ومآل المعنى واحد وزين هذا التكرار ذكر المحلق مع المقنع كما لايخفى عن ذي ذوق سليم .