فهرس الكتاب
لا شك أن لدينا في تراثنا وتاريخنا نماذج مشرّفة توجه مسيرة فكرنا ، وتؤسس قواعد حياتنا، وقد سعى أعداء الخير دائمًا إلى تشويه صورة هذه النماذج ، والتعتيم عليها لأنها علامات حضارية تحفظ الوجود، وتنير الدروب . ولكن المأساة الكبرى حين يأتي التخريب من الداخل وباسم التعمير، ويرتدي شيوخ البراجماتزم العمائم والجبب، ويتلوَّن الدين بألوان هذه العمائم ، وبدلًا من أن تكون العمامة مَغرمًا وتضحية ومسئولية، تصبح مغنمًا ومكسبًا ومطية ، وكل من طمع بوصل ليلى تسمى قيسًا ، وهيهات أن يغني الاسم عن المسمى .
إن شيوخ البراجماتزم أخطر على ديننا وحضارتنا ومستقبل أمتنا من مستشرقي أوربا ومبشريها ، وأخطر من صنائعهم العلمانيون المزروعون فيما بيننا من أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ، وذلك لأن المستشرقين والمبشرين قد بان إخفاقهم بعد أن انكشف الزيف، وزال ركام الباطل ، والعلمانيون هم غراس أولئك يوشك أن تيبس وتجف كما يبس الأصل وجف ، ولولا حال الأمة المتردي ، ودعم الغرب المستبدّ، لما قامت لهم قائمة في بلادنا .
لقد هدف البحث إلى الكشف عن خطورة الاستخدام النفعي للدين، والتقنع وراء مظاهر المقدس للوصول إلى مآرب شخصية ، ومكاسب دنيوية ، وحاول التذكير بالقدوة المرتكسة في الحداثة الغربية، والتي أثمرت ثمارًا خبيثة على مستوى الحضارة البائسة اليوم ، للتحذير من لون آخر أشد فتكًا منها في بلادنا وحضارتنا لأنه يرتدي ثوب الدين ويتستر بردائه . إنها صيحة نذير، وزفرة مكلوم، تبتغي آذانًا صاغية ، وقلوبًا واعية ، وإن أهم وصية أخرج منها في هذا البحث هي:
تشكيل هيئة لعلماء المسلمين تكون مهمتها التعاون على البر والتقوى ، والتشاور في القضايا الكبرى ، والبت في المسائل المعضلة ، وخصوصًا تلك التي تلتبس فيها السياسة بالدين، والتي تحتاج إلى موقف حازم متحرر من الإكراهات السياسية أو الشعبوية .