تتطلب توظيفا فقهيا شرعيًا للفكر السياسي، والتنظيمات السياسية، والعلاقات الدولية، ومؤسسات المجتمع الشعبي وجماعات الضغط؛ وهي قضايا متشابكة. وأكثر النَّاس فقهًا لهذه الأمور هم أهل الحل والعقد من العلماء الشرعيين والخبراء القانونيين والأساتذة المتخصصين، ورؤوس الناس في بلد الواقعة، كما شهدنا من علماء مصر وقضاتها وخبرائها، وقياداتها الشعبية، وتبقى وظيفة غيرهم من أهل الإسلام مكمِّلة، في نحو إبداء نصح أو مشورة. ... وهنا ينبغي التنبيه إلى أنَّ الحكم يبنى على نظر كلي؛ فلا يمكن الحكم على الثورة الشعبية العارمة من خلال ما قد يصحبها من عنف عارض من أفراد لا يمثلون مجموع الثورة، ولا من خلال عنف منظم مصدره بعض أجهزة الحكومة التي تريد التخلص منها. ... وبهذا يظهر أنَّ إشكالية التكييف، أحد أهم أسباب الخلاف الفقهي بين بعض العلماء في هذه النازلة. ... وهو أمر يدركه كبار الفقهاء، ويظهر ذلك في فقه التعامل مع الثورة المصرية؛ وبه تفسر مطالبة الرئيس المصري بالتنحي من بعض من يمنع التظاهر من العلماء، سواء كان منعه منعًا للمظاهرات عموما تغليبا لجانب مفاسدها، أو لما يعتقد من كونه جزءًا من خطة تقسيم جديدة للعالم العربي والإسلامي؛ وذلك إدراكًا منهم للفرق بين الحكم على أصل الشيء قبل وقوعه، وحكم التعامل معه بعد الوقوع. ... كما يظهر أنَّ للإعلام أثرًا إيجابيًا أو سلبيًا في خدمة الفقه أو التأثير فيه نقلًا أو توظيفا، حسنًا كان أو سيئًا، وهو ما ينبغي على العلماء والدعاة ملاحظته. ... وأخيرًا، فهذه إشارات عابرة، قُصد منها لفت الانتباه إلى أهمية فهم كلام أهل العلم وطريقتهم في الخطاب، وأهمية العناية بالمسائل على ما هي عليه، دون الاكتفاء باستدعاء أحكام مسائل أخرى ليست إلا حكما بالنظر في الجزء، لا يمكن اختزال حكم الكل فيه، ولا تخريج حكم الواقعة على فتاوى علماء أجلاء، جاءت في سياقات مختلفة، كسياق بيان وسائل الدعوة، لا بيان فقه التعامل في حال وقوع الثورات الشعبية. ... وفي ظل الثورة العارمة، ينبغي أن يدرك الثائرون أنَّ لحظة الانتصار قد تكون هي ذاتها لحظة الخطر الأكبر، إذ هي محل للثقة المفرطة، التي قد تحمل المنتصر على تفويت فرصة الانتصار بالإصرار على حصول ما قد لا يتحقق كله، أو الثقة في وعد دون ضمانات قوية. ... وفي تاريخ الثورة المصرية السابقة عبر كثيرة، وغدر خطير، كما أنَّ فيها مكاسب، كان منها النّص