-... ومن ذلك: أنَّ الثورات الشعبية غرضها التغيير - لا مجرد التعبير - في النظام الحاكم، بإصلاح إن كان قابلا للإصلاح، أو بتغيير أو إسقاط، إذا ما كان النظام فاسدا فاقدا للثقة فيه؛ ولا تهدأ الثورة عادة إلا إذا تحققت مطالبها، حتى لو أُقنِعت أو قُمِعَت في بدايتها، فإنَّها تبقى كامنة لتثور في وقت لاحق. فهي ليست مجرد مظاهرات جماعية أو نقابية أو نحوها، تخرج للتعبير عن مطالبها، لتعود بعد تعبيرها عما تريد وإن لم تتحقق مطالبها؛ بل هي عملية يتم من خلالها التغيير الجذري لنظام الحكم ويترتب عليه بالضرورة إلغاء الدستور. وهذه نقطة مهمة جدًا في التكييف الفقهي، وذلك من حيث النظر في النظام الحاكم وحكم وجوده، ومدى شرعيته، ومدى المصلحة في الحفاظ عليه أو في تعجيل زواله، وكذا الدستور إذا ما كان إسلاميًا لا يجوز تغييره، أو علمانيا مختلطًا يجب إصلاحه، أو غير إسلامي يجب تبديله بما لا يناقض الثقافة الإسلامية في المجتمعات المسلمة، إلى غير ذلك من الاعتبارات المهمة في الحكم .. وهنا ترد مسألة حكم المبادرة الشرعية في الإصلاح أو التأسيس الصحيح، بمختلف أنواع المساهمة استقلالًا في أحوال واشتراكًا في أخرى. وهي اعتبارات مهمة لا ينفك الحكم عنها. ... - ... ومنها: أنَّ الثورة الشعبية يقوم بها الشعب وقياداته الشعبية عادة، فإن لم يكن فيشترط في الثورة أن تكون معبرة عن إرادة الشعب، إذا ما قام بها بعض قياداته؛ وذلك كله دون اشتراط قانونيتها من عدمه، بل قد لا تحتمل التنسيق مع الحكّام أصلا، ولا التحاور بل ولا - حتى - التفاوض معهم أحيانا. بخلاف المظاهرات التي تبدأ عادة وفق قوانين تسمح بها، وقد تحمل تراخيص لتنفيذها. بل قد تكون بإيعاز من الحاكم، أو برعاية الحزب الحاكم، ولا سيما حين يشعر بضغوط أجنبية لا تتوافق مع سياساته أو آماله. وفي الثورة المصرية الحالية سمعنا الاعتراف بالثورة الشعبية رسميا من قبل قيادات النظام الحاكم، وهو اعتراف رسمي سواء كان اعترافا بالشرعية أو بالواقعية. ... وعليه؛ فإنَّ هذه الفروق وغيرها، تجعل (الثورة الشعبية السلمية) ، مسألة مستقلة بذاتها، تقع على نحو معين، ومن ثم لا ينبغي أن يُستدعى في بيان حكمها فتاوى جزئية تتعلق ببعض أدواتها التابعة، كالمظاهرة أو الاعتصام مثلا. ... وإذا ما انتقلنا إلى فقه التعامل مع الثورة؛ فسنجد أنَّنا أمام فقه آخر، تحكمه جملة من الأحكام، لما لها من امتدادات متنوعة، ومسائل متفرعة؛ تجعل المسألة محل نظر فقهي، مداره على جلب المصالح ودرء المفاسد، مع اعتبار النظر في المآلات، وهو أمر يتطلب نظرًا آخر يوظّف علومًا أخرى في فقه التعامل مع هذه الواقعة، كأدواتٍ وعلومِ آلةٍ للفقه السياسي، منها: جملة العلوم السياسية، التي