الصفحة 398 من 882

والنبوات وأربوا على المسيح في ذلك، وذلك كله بتعريف الله: {عَالِمُ الغَيبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رُّسُولِ} 1.

والعجب كيف يتمسك النصارى في دعوى ربوبية المسيح بإخباره الغيب، وهذا نوح وإبراهيم ويعقوب يخبرون به وينبؤون عنه، مع أن النصارى لا يعتقدون فيهم سوى أنهم قوم صالحون لا غير2، وهذا من أجلِّ أغاليطهم وكفرهم إذ

1 الآية الكريمة: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} . [سورة الجن، الآية: 26-27] .

2 إن الفكر النصراني المنحرف في القرون الأولى المسيحية لم يتطرق إلى بحث قضية الوحي والنبوة؛ لأن ألوهية المسيح عليه السلام وما يتعلق به من قضايا فلسفية هي المحرر الرئيسي للفكر النصراني أو ما يسمى بعلم: (الثيولويجا: THEOLOGIA) .

أما بعد ظهور الإسلام فإن موقف النصارى من بعض قضايا النبوة مثل: نبوة بعض الأنبياء السابقين كنوح وإبراهيم ويعقوب عليهم السلام، فهو يتلخّص في الآتي:

الأوّل: اعتبارهم مجرد آباء للشعب الإسرائيلي ورجال صالحين وليسوا أنبياء مرسلين من الله، وهذا الموقف ناشئ من التراث اليهودي الذي ورثه النصارى. (فإن التراث اليهودي يجعل النبوة تبدأ في مرحلة متأخرة من الزمان، بدأت بموسى عليه السلام - الذي يعتبر أبًا الأنبياء ومن أبرز آبائهم المتقدمين - وتنتهي بأنبياء القرن الرابع قبل الميلاد. أما نوح وإبراهيم ويعقوب وغيرهم فإنهم - في نظر اليهود - مجرد آباء للشعب الإسرائيلي وبأن ما تلقاه هؤلاء الآباء من الوحي الإلهي فإنه إرث يهوذي خالص.

ونادرًا ما يستخدم تعبير (الأنبياء) للتعريف بهذه المجموعة من الأنبياء - حسب الفهم الإسلامي ـ، فكل الشخصيات السابقة على موسى عليه السلام في التراث اليهودي يجمعهم لقب البطارقة: (THE PATRIACHS) أو الآباء بما يعني أنهم كانوا بمثابة رؤساء وشيوخ لقبائلهم، وأن وظيفتهم كانت سياسية اجتماعية أكثر منها دينية"."

(ر: تاريخ النبوة الإسرائيلية ص16-21، د. محمّد خليفة حسن أحمد، دائرة المعارف اليهودية 13/181. مادة البطارقة 13/1149، مادة النبوة، قاموس أكسفورد ص د، 1132) .

كما أن أصحاب هذا الموقف قد يكونون متأثرين برد الفعل المعاكس لما ورد في القرآن الكريم من إثبات نبوة هؤلاء الأنبياء الكرام، مما دعاهم إلى إنكار نبوتهم عنادًا ومخالفةً لما عند المسلمين.

أما الموقف الثاني: الاعتراف بنبوتهم، فهو ما ورد في بعض المصادر اليهودية. (ر: تنقيح الأبحاث ص 21، لابن كمونة اليهودي، الأصول الثلاثة عشر لموسى بن ميمون) . وأصحاب هذا الموقف متأثرون بالإسلام، وهم بذلك يتحاشون الانتقادات التي توجه إليهم لعدم إثباتهم نبوة هؤلاء الأنبياء الكرام مع ثبوت تكليم الله عزوجل لهم في التوراة.

وبذلك يتبيّن لنا أن ما ذكره المؤلِّف عن أهل الكتاب صحيح. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت