وإثباتها لله وحده لا شريك له , أما من هذى بها هذيانا ككلام النائم لا يعلم معناها , فكيف ينفي ما نفت ويثبت ما أثبتت وهو لا يعلم شيئا من ذلك أم كيف يعمل بمقتضى ما لا يعلمه.
الثاني: اليقين بما دلت عليه في الشهادة والغيب , المنافي لمناقضه من الشك و الريب , قال تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) , فقصر الإيمان عليهم مع التقيد بكونهم لم يرتابوا أي لم يشكوا , فلا إيمان لمن قالها شاكا مرتابا , و لو قالها بعدد الأنفاس , ولو صرح بها حتى يسمع جميع الناس , وفي مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة» , وفيه من حديثه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه بنعليه فقال: «اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة» الحديث , فقيد استحقاق قائلها دخول الجنة وتبشيره بها بكونه غير شاك فيهما , وبكونه مستيقنا بها قلبه , والمعنى في ذلك واحد , فنفي الشك يفيد ثبوت اليقين , وثبوت اليقين يفيد نفي الشك.
الثالث: القبول لها المنافي لرد مدلولها , قال الله تعالى: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) والآيات هنا المراد بها القرآن ومعظمه في حق هذه الكلمة , وذكروا ووعظوا , وهم لا يستكبرون أي عن الإيمان بالله وطاعته وذلك هو حقيقة التأله المنفي عن سوى الله بـ?لا إله? المثبت له سبحانه بـ?إلا الله? , ولا رد أعظم من الاستكبار ولهذا قال تعالى في حق من ردها بعد أن ذكر ما وعدهم به من العذاب أنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون , ويقولون: (أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون) , فلم يتركوا آلهتهم المنفية بلا إله ولم يقبلوا إثبات إلا الله , فقال تعالى تكذيبا لهم وتصديقا لنبيه صلى الله عليه وسلم: (بل جاء بالحق وصدق المرسلين) , وفي الصحيح عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل ما بعثني الله به من الدين والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله به الناس فشربوا وسقوا وزرعوا, وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بشر الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به» , فانظر هذا الحديث واعتبر به فهو عبرة لأولي الأبصار فإنك إذا أمعنت النظر فيه رأيته يحتوي على ما لم يتسع له المجلدات الكبار , والمقصود هنا أن المثلين الأولين لمن قبل هدي الله الذي هذه الكلمة أصله وإن كانوا على درجتين متفاوتتين , والمثل الثالث لمن لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبله فلم ينتفع هو ولم ينفع غيره , بل هو ضرر محض على نفسه وعلى غيره.
الرابع: الانقياد لمعناها المنافي لترك العمل بمقتضاها , قال الله تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) الآية , يسلم وجهه إلى الله فينقاد ويقبل على طاعته وهو محسن أي موحد , فقد استمسك بالعروة الوثقى أي بلا إله إلا الله , فخرج بذلك من لم يسلم وجهه إلى الله ولم يك محسنا فإنه لم يتمسك بها وهو المعني بقوله تعالى بعد ذلك (ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبؤهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور , نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) , وفي الأربعين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» فجعل الشرط في الإيمان أن ينقاد لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.