ثانيا: أن كل ما يصدر من إيجاد أو قصد للامتناع عن الفعل من الإنسان في هذه الحياة يدخل تحت حكم من أحكام الإسلام الخمسة (الوجوب, والندب, والإباحة, والكراهة, والتحريم) يستوي في ذلك عمله العضلي أو توجهه المعرفي, وعلم الإنسان مكتسب, يقول ابن خلدون: (وعلم البشر هو حصول صورة المعلوم في ذواتهم بعد أن لاتكون حاصلة. فهو كله مكتسب) (المقدمة ص 844) والإنسان مسؤول عما كسب أو اكتسب. وأن شرفه هو في مسئوليته هذه. وهي الأمانة التي تحملها ورضي بها إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان (سورة الأحزاب آية 72) .
ثالثا: إن مسؤولية الإنسان بما يترتب عليها من ثواب أو عقوبة, تتبع آثار ما في عمله من فساد أو صلاح. ويتوجه له الخطاب فرديا في المصالح التى لاتتحقق إلا إذا قام بها كل فرد من المكلفين كإقامة الصلاة في العبادات. ويتوجه إليه الخطاب باعتباره فردا من الجماعة إذا كانت المصلحة تتحقق في الوجود بقيام البعض بها. فكل فرد في هذا النوع من الخطاب مسؤول في البداية ليسقط التكليف إذا قام البعض بالاستجابة لما يقتضية الخطاب. وذلك كالصلاة على الميت وتعلم طائفة ما يمكن من تبيين حكم الله. وبلوغ طائفة أخري الكفاءة العلمية والخبرة لعلاج أسقامهم ونحو ذلك مما هو غير ضروري لكل فرد مما هو لازم للجماعة.
رابعا: إذا نظرنا في حكم تعلم العلوم في الإسلام بناء على ما قدمناه ومسؤولية الفرد والجماعة فإنا نجد العلوم على أربعة أضرب:
1)ضرب لازم لكل فرد. إن لم يتعلم فسدت حياته وخسر أخراه, فالمصلحة لاتتحقق إلا إذا قام كل فرد من الأفراد بواجب تعلم ذلك العلم.
2)وضرب ثان لابد منه لمصلحة الجماعة. فلو تهاونوا كلهم به ضاعت المصلحة ولو اشتغلوا به جميعهم, كان اشتغالهم به صارفا لهم عن بقية المصالح التي لابد منها لغناء الجماعة وانتظام أمرها ومناعتها.