معنى النفي أَي فما كانت قريةٌ آمنوا عند نزول العذاب بهم فنفعها إيمانها، ثم قال: إلا قومَ يونسَ، استثناء ليس من الأَوّل كأَنه قال: لكن قومُ يُونُسَ لمَّا آمنُوا انقطعوا من سائر الأُمم الذين لم يَنْفَعْهم إيمانُهم عند نزول العذاب بهم؛ ومثله قول النابغة
عَيّتْ جَوابًا، وما بالرَّبْع من أَحدٍ ... إلاَّ أَواريَّ لايًا ما أُبَيِّنُها
فنصَب أَواريَّ على الانقطاع من الأَوّل، قال: وهذا قول الفراء وغيره من حذاق النحويين، قال: وأَجازوا الرفع في مثل هذا، وإن كان المستثنى ليس من الأوّل وكان أَوّله منفيًّا يجعلونه كالبدل؛ ومن ذلك قول الشاعر:
وبَلْدَةٍ ليس بها أَنِيس ... إلا اليَعافِيرُ وإلاَّ العِيسُ
ليست اليَعافيرُ والعِيسُ من الأنِيس فرفَعَها، ووجْهُ الكلام فيها النَّصبُ. قال ابن سلام: سأَلت سيبويه عن قوله تعالى: فلولا كانت قريةٌ آمَنَتْ فنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قَومَ يُونُسَ، على أَيّ شيء نصب؟ قال إذا كان معنى قوله إلاَّ لكنْ نُصب، قال الفراء: نُصب إلا قومَ يونس لأَنهم منقطعون مما قبل إذ لم يكونوا من جِنْسه ولا من شَكْله، كأَن قومَ يونس منقطعون من قَوْمِ غيره من الأَنبياء، قال: وأَمَّا إلاَّ بمعنى لمَّا فمِثل قول الله عز وجل: إنْ كللٌّ إلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ؛ وهي في قراءة عبد الله إنْ كُلُّهم لمَّا كذَّبَ الرُّسُلَ، وتقول: أَسأَلُك باللهِ إلاَّ أَعْطَيْتَني ولَمَّا أَعطيتني بمعنى واحد. وقال أَبو العباس ثعلب: وحرف من الاستثناء تَرفع به العربُ وتَنْصِبُ لغتان فصيحتان، وهو قولك أَتاني إخْوَتُك إلاَّ أن يكون زيدًا وزيدٌ، فمن نَصب أَراد إلاَّ أَن يكون الأَمْرُ زيدًا، ومن رفع به جعل كان ههنا تامة مكتفية عن الخبر باسمها، كما تقول كان الأَمر، كانت القصة.
وسئل أَبو العباس عن حقيقة الاستثناء إذا وقع بإلا مكرّرًا مرتين أَو ثلاثًا أَو أَربعًا فقال: الأَوّل حَطٌّ، والثاني زيادةٌ، والثالث حَطٌّ، والرابع زيادة، إلا أَن تجعل بعض إلاَّ إذا جُزْت الأَوّل بمعنى الأوّل فيكون ذلك الاستثناء زيادة لا غير، قال: وأَما قول أَبي عبيدة في إلاَّ الأُولى إنها تكون بمعنى الواو فهو خطًا عند الحذاق. وفي حديث أنس، رضي الله عنه: أَن النبي، صلى