فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 109

مرت السنون ؛ وإذ به يحمل الشهادة الجامعية ! من أعرق جامعات المملكة في قلب العاصمة ! ولا يزال مع وحيدته الحبيبة في بيت الطين ! وكانت فرحة ممزوجة بالألم والأمل معًا ؛ تلك التي كان سببها .. استئذانه حبيبته أن يفارقها ويفارق بلاده للسفر في بعثة لمواصلة دراسته العليا في بلاد الغرب ؛ يأتي بعدها حاملًا أعلى الشهادات . كاد قلبها ينخلع من البكاء عندما أغلقت عليه باب سيارة الأجرة التي ستوصله إلى مطار الرياض ليغيب بعدها عن حبيبته الغالية ست سنوات كاملات ! لا يعرف من أخبارها شيئًا إلاَّ بواسطة رسائل الجيران الأخيار ؛ الذين تطلب منهم جارتهم العجوز كتابتها لابنها الذي سافر بقلبها معه. .. كانت تضم صورته التي تزّين شهاداته السابقة على صدرها كل ليلة وتبلها بالدموع حتى يغلبها النوم .. فتنام لتراه يترآى لها في المنام ! هكذا هي طوال سنواتها العجاف ؛ كان الله في عونها .

مرت السنوات .. وإذ بها تتلقى رسالة من ابنها ( الدكتور ) .. يخبرها فيها أنه قاب قوسين أو أدنى من رحلة العودة ..لم تسعها صحراء نجدٍ كلها من فرحها . دعت الله كثيرًا أن يبقيها حتى تراه .. وودعت النوم .. ترقبًا لمجيئه . .. في يوم .. غلبتها عيناها ضحوةً ؛ فإذا باب بيت الطين الذي لم يكن ليغلق كما تُغلق أبوابنا اليوم يُفتح وتظهر منه مقدمة حقيبتين كبيرتين .. يدخل بعدها رجل قارب الثلاثين من عمره يلبس ملابسًا لم يكن لبسها معتادًا في ذلك الوقت إلاَّ قليلًا .. (جاكيت .. وملحقاته من كرافته ..وحذاء يلمع لمعان البرق ) .. حضنته بين يديها الضعيفتين وغابت عن الدنيا ! ؛ بكاءٌ متبادل أزعج الجيران الواقفين في (..حوش ) المنزل الذين أتوا للترحيب والتهنئة بقدوم الابن الضيف (.. الدكتور ) . * * *

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت