فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 109

مات زوجها ولم يترك وراءه لها سواه ، وكذلك كان ؛ لأنه وحيدها ؛ وهي كذلك ! كانت وحيدته ؛ إذ أنهما كما يقول أهل هذا الزمان ( مقطوعان من شجرة ) ! وترجمتها: أنهما لا قريب لهما ولا نسيب ولا صهر لا حبيب !. مات زوجها ولم يترك وراءه لها سوى بيت من الطين ؛ يقبع في زاوية خجولة من حيٍّ قديم من أحياء الرياض ! ؛ ليس في بيتها ما يرد العين إلاَّ أثاثٌ إذا رأيته عرفت من أول نظرة أنه لم يعد يصلح إلاَّ لزمن ولَّى أصحابه قبل عشرين عامًا ؛ أما أصحاب زماننا فيأنفون أن يجلسوا على مثله ؛ لأن ثيابهم أنظف من قلوبهم ! أما أولئك السابقون فبعكسنا تمامًا كانت قلوبهم أنظف من ثيابهم !. .. وترك لها في هذا البيت طفلًا رضيعًا في أشهره الأولى .. فكان كل متاعها في الدنيا: بيتًا من الطين ؛ وطفلًا كوجه الصبح الحزين ؛ وحفنةً تأتيها كل عام لا تملأ الكفَّ من مال يسمى ( الضمان الاجتماعي) تُقيم به صُلْبها وصُلب صغيرها وتدخر ما بقي منه للأيام السود في حياتهما وما أكثرها . رعته حتى أدخلته المدرسة ؛ وفي أول يوم غدا فيه إلى مدرسته يحمل على رأسه حقيبة صغيرة ينوء بحملها ! ليس فيها إلاَّ (..جزء عم .. والهجاء .. والحساب .. وقلم الرصاص .. و ! كسرة من خبز يابس هي إفطاره ) ! يجر خلفه طرف ( شماغه ) وطاقيته تتوسط رأسه الصغير . رأته ففاضت عيناها فرحًا بصغيرها الذي يستقبل أول أيام المستقبل . كان ديدنها أن تغدو معه كل صباح إلى مدرسته سيرًا على الأقدام ؛ وتنتظره في حر الشمس ظهرًا حتى يعود فتتلقاه بالقُبل .. تطبعها على خديه وتحمل عنه حقيبته ويعودان للبيت . .. فرحةٌ غامرة .. عمرت قلبها عندما سمعت بنبأ نجاحه في المرحلة الابتدائية .. بل كانت تخبر كل من تلقاه في طريقها أنَّ ابنها حمل الشهادة (الصفراء ) ! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت